السبت، 18 أغسطس، 2012

الإمارات: للصبر حدود.. فأين من يعتبر..؟!


2012-08-17م  


لقد مرت على الشعوب العربية في العصر الحديث أحداث وتغيرات جسام أرَّخت لها أعيادها ونكباتها، ولكن ماحدث في الربيع العربي الذي بدأ مع بداية عام 2011 لم يكن له مثيل في زخمه وتضحياته وتعاطف الشعوب العربية مع بعضها، إنه زلزال لامقياس لدرجته، هز عروشاً فرعونية وأسقطها من كبريائها في لحظة ذهول للجيوش المدججة لحماية هذه العروش، ولم ينفعها عددها ولاحداثة عتادها ولاقوتها الضاربة في كل ناحية من نواحي البلاد.

أظن أن ابن خلدون لو كان حياً لألف المقدمة الثانية لعلم الاجتماع البشري ونواميسه في الثورة على الظلم واسترداد الكرامة والحرية، لعل هذه المقدمة تنفع الحكام الباقون وترشدهم إلى كيفية التعامل مع الشعوب واحترام حريتها وكرامتها بدلاً من الاعتماد على المستشارين الذين لاناقة لهم ولاجمل في إعطاء الرأي.

لكني أشك أن ابن خلدون يستطيع أن يقنع الحكام أن الشعوب لها كرامة لابد أن تحترم فهؤلاء ومن يحيط بهم من المستشارين والمقربين لا يتعضون بالتاريخ البعيد ولا القريب، ولو كان الحدث أمام أعينهم، فاليوم مثلاً يرون أمثالهم يتساقطون ويذهب ملكهم ليعلنوا أنهم ليسوا كمن سبقهم، إلى أن تدور الدائرة عليهم.

فما السر في ذلك يا ترى؟ إن السر ينكشف عندما نستمع إلى قول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وهو يقص القصص ويضرب الأمثال ويعقب عليها، ومن بين العبر الكثيرة الواردة في القرآن الكريم نقف عند اثنتين منها:

الأولى في قوله تعالى:(كلا إن الإنسان ليطغى، أن رءاه استغنى) العلق(6-7) ومن هذه الآية ندرك مدى الطغيان الذي يمكن أن يصيب من ملك السلطة والمال، والثانية في قوله تعالى: (ونادى فرعون في قومه ، قال ياقومي أليس لي ملك مصر ، وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون، أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين) الزخرف (51-52). ومن هذه الآيات ندرك إلى أي مدى يمكن أن يصل الملوك في كبريائهم واعتقادهم أنهم يملكون الأرض ومن عليها، وأن كل من سواهم إنما هم عبيد مهانين ومسخرين لخدمتهم. سواء كانوا ملايين من رجال الأمن الذين يسهرون على حراستهم وكتم أي صوت يدعي الحرية والكرامة، أو كانوا جيشاً عرمرماً مسخر كصف ثان لحماية الملك في حال عجز رجال الأمن عن ذلك، أم كانوا شعباً يسبح بحمده إذا أكل فمن فضله ومكرمته أو لبس من فضله ومكرمته، أو رضي عنه فسمح له أن يعيش على أرض الملك فمن فضله ومكرمته.

إننا لم نكن ندرك هذه الحقائق التي يشير إليها القرآن الكريم حتى أذن الله للشعوب العربية أن تنتفض من عبوديتها للملوك الجبارين وتكسر حاجز الخوف من جيوش الأمن والعسكر وتتحول إلى سيل هادر يجتث القصور بمن فيها، وتتهاوى العروش ويسقط الملوك والرؤساء بين قتيل ومهين وسجين، فيقول قائلهم وهو يرى العذاب في الدنيا: "فهمت" " نعم فهمت" تماماً كما قال فرعون من قبل عندما أحس بالغرق ( حتى إذا أدركه الغرق ، قال: آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل، وأنا من المسلمين، ءآ الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين). يونس (90-91).

نعم لقد خسر فرعون كل شيء ونجاه الله ببدنه ليكون عبرة لمن بعده، ولكن كم من ملك اعتبر بفرعون أم أنهم اعتبروا أنفسهم حالة خاصة ونموذج فريد.

نعم لم نكن ندرك مدى طغيان وملوك وأمراء العرب بالرغم من تاريخهم الأسود في التنكيل بالشعوب وسلب الموال ونهبها وتكديسها في بنوك سويسرا وغيرها من بنوك العالم، وقد كنا في حالة من السرحان والغفلة والشرود فلم ندرك جسامة كيدهم للشعب وتسليطهم أجهزة الأمن المسعورة لتكتم أنينه وتوجعه.

لم نكن ندرك أننا عبيد لا قيمة لنا حتى بدأت ثورات الربيع العربي فأفقنا على عجب من الفعل والقول، رأينا جحافل الأمن وهم يخرجون بالملايين من كل حدب وصوب ليطوقوا الشعوب الثائرة فيستخدموا كل ما لايخطر على بال من التنكيل والقمع حتى أنك تجدهم يدهسون الناس بالسيارات وكأنهم قطعان من الماشية لا قيمة لحياتهم ومناظر أخرى بشعة لا تجرؤ المشاعر على وصفها وذكرها كما في سوريا وليبيا مثلاً، فلما لم يفلح الخط الأول من جهاز الأمن في قمع المنتفضين تحرك الجيش بدباباته وطائراته ومدرعاته لدك القرى والبيوت بأسلحة محرمة دولياً في الحروب بين الدول.

هذا بعض ما فعلوه والعالم يشاهد في دهشة ولايحرك ساكناً ولكن ما قالوه أعجب من ذلك لأنه يفسر فعلهم المشين، لقد قالوا كلمة فرعون في استحقار الشعوب واستعبادها، ونذكر في هذا السياق بعضاً مما قالوه. فالقذافي خرج على قومه بعليائه مخاطباً: من أنتم؟؟ من أنتم؟؟. فرد على سؤاله: أنتم جرذان!!. وما كان منه إلا أن أمر كتائبه ومرتزقته بمطاردة تلك الجرذان التي سماها. بيت بيت .. دار دار.. زنقه زنقه.

أما بشار فوصف شعبه بالميكروبات، وأصدر أوامره لعصابات أمنه وشبيحته بتطهير سوريا من هذه الميكروبات. فكان له ما أراد فتحول هؤلاء إلى وحوش ضارية أعاثت في الأرض الفساد وأهلكت الحرث والنسل، ولربما فاقوا بأفعالهم الشنيعة ما قامت به الشيوعية وما اقترفته محاكم التفتيش.
وهكذا عبرت الأجهزة الأمنية في تونس ومصر واليمن عن وجهها القبيح. ومازال مسلسل القمع مستمراً والعدوى انتقلت من دول الربيع العربي إلى دول الخليج العربي التي يحظى إنسانها إلى عهد قريب باحترام وقدر يفوق كثير من الدول.

لكن الإمارات بجهاز أمنها فاقت زمانها ومضت عكس التيار، فقامت باستحقار شعبها والهجوم على أحراره الذين يشهد لهم بالكفاءة والتاريخ الناصع في البذل والعطاء للوطن، ومافتئوا أن يقذفوهم بعبارات التخوين، فتارة يصفونهم بالشرذمة وتارة هم"حشف " لاوزن لهم، وأهل التمور يعرفون الحشف الذي لا قيمة له، وإنما يرمى علفاً للبهائم!!.

وتارة أخرى هم "خونة" وهي التي يصدر لها من جندتهم الأجهزة الأمنية من الإعلاميين والكتاب الذين باعوا ضميرهم ومهنيتهم بعرض من الدنيا قليل.

والأدهى والأمر من ذلك النعوت التي تذكر الشعب أن ماعندهم من خير إنما هي منة وتفضل ومكرمة حصلوا عليها من أسيادهم وعليهم الحمد والشكر حتى لاتزول تلك النعمة ، وأن أنفاسهم معدودة وكلماتهم مسجلة ونواياهم معلومة، لأن جهاز الأمن حاضر في كل مكان في البيوت والمزارع والسيارات ومكاتب العمل وفي البر والبحر فاحذروا من أي مطالبة بالحرية والكرامة، ونصيحتي لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد لاتهينوا المواطنين ولاتهزؤوا بمشاعرهم ولاتحاصروهم في أرزاقهم وحرياتهم ولاتضطروهم للانتقام فإنهم بشر لهم كرامة وعزة وهم قبل ذلك أحرار ليسوا عبيد . وللصبر حدود.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق