الاثنين، 27 أغسطس، 2012

من يبلل يديه بالاستبداد سوف يغسلها بالحسرة



جاسم راشد الشامسي
كان مقالي “لنجعل العيد عيدين” ضمن سيل من المقالات والتغريدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي للمطالبة بالإفراج عن معتقلي أبناء الوطن ال51,وتركزت تلك النداءات والمطالبات بتحكيم العقل والقانون والحكمة في التعامل مع المشهد,مما أدى إلى خروج بعض المسئولين لطمأنة الشعب والتعهد بعلاج القضية قبل العيد, ,ولكن إصرار صقور السلطة في الوطن على تحكيم ملف الأمن والإستبداد,أدى إلى عزل لغة الحكمة والحوار وإحلالها بمشهد التصعيد والتعقيد.
ما لا أرغب فيه أن أستهل بمصطلح الاستبداد الذي يعني التسلط والاستعباد ، و الاعتساف ، والتحكُّم ,وهو يحمل معاني تَجْفل منها الفطرة السليمة,وأن سلوك سبيلها يولّد تربة خصبة للخصومة مابين شعب ما وقيادته,وهذا ما نسعى إلى تحجيمه في وطننا عبر نقد الاستبداد ومقاومته.
 ما برح الاستبداد بمعناه الحديث يلفّ أرجاء الدنيا ويعدّ أنفاس كثير من الشعوب والأمم, وإن اختلفت حدّته وقسوته لكن أثره يستعمر القلوب فيسلب حريتها وينازع سعادتها,ذلك لأن الاستبداد كما عرفه الحر المبدع”عبدالرحمن الكواكبي” لغةً هو : “غرور المرء برأيه ، والأنفة عن قبول النّصيحة” واصطلاحا “تَصَرُّف فرد أو جمع في حقوق قوم بالمشيئة وبلا خوف تبعة”والحكومة المستبدة هي:”الحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً،والتي تتصرّف في شؤون الرّعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محقَّقَين”.
في ظل تلك التعريفات هل من الإنصاف أن نزعم أننا نواجه معاني الاستبداد في الإمارات أم تلك تهمة فارغة لا أصل لها,وسبّة لايمكن أن نَنْعت بها الدولة,الأمر الذي يستدعي ترحيل الجواب حتى نغوص في معاني وطبائع الاستبداد,لنسبر الغور ونبسط خفايا المشهد في الوطن,مستأنسين كلما تُهنا بكتاب “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد” للكواكبي.
أول فلتات المستبد أنه يتحكم في أمور الناس بإرادته لا بإرادة الشعب والقانون ,هواه سيد المشهد,وهو يعي أنه يخالف الدستور والقانون ولكنه يستمر في إخفاء تلك الحقيقة بحجج شتّى, وهذا الذي حصل مع أحرار الوطن ومعتقليه, اعتقلوا وسجنوا واعتقل محاميهم بعيدا عن القضاء والقانون ودون تهمة ودلائل محددة.
والظاهر للعيان أن المستبدّ  عدوّ الحقّ ،عدوّ الحرية وخصمها اللدود ,الأمر الذي يجعل السلطة في وطني تعتقل كل حر لا يملك سوى كلمة حرة في مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن كتمت أنفاسه وكسرت أقلامه وأغلقت منابره.
ومن صفات المستبد الأصيلة أنه يتجاوز الحدّ والعقل والمُثُل والأعراف لتحقيق هوىً في نفسه, فلا يقدّر العقول والمكانة الاجتماعية والعلمية والفكرية للرأي الآخر, الأمر الذي يسوّغ للسلطة في وطني أن تسحب جواز مواطن, وتعتقل رجال ثقات منحتهم الدولة جوائز تقدير في العلم والإبداع , وتهدد كذلك باعتقال حرائر الوطن وتشهّر بهم وتهددهم.
اجتمع رأي المفكرين من افلاطون مرورا بأرسطو وحتى الكواكبي أن المستبدّ  إنسانٌ مستعدٌّ بالطّبع للشّر ,الأمر الذي يبيح له التعاون مع الصديق والعدو لكبت الحريات,وذلك الطبع الذي يسوّغ للسلطة الأمنية في وطني بالتعاقد مع شركة “بلاك ووتر” الإرهابية , وجلب 3000 مرتزق أجنبي لمكافحة الشعب.
أعظم ما يتمناه المستبدّ أن يكون الشعب طوْع أمره وقطيعه الذي يقاد فلا يَجفل , وعصاه التى لا تعصيه , وهذا ما يشاع في وطني عبر وسائل إعلام تخدم وتمثل السلطة لا الشعب,وعدد من المسئولين والإعلاميين والكتاب المكسورين بحظوة اوإحسان أو جواز أو “تغريدة” أومنحة مادية سوّغت لهم المشاركة في جلد المظلوم, الأمر الذي جعلهم ملاذ السلطات الأمنية لبث كل قبيح ومرّ المذاق, فهم طيبون ومسالمون للخطأ لا للصواب.
يسعى المستبد وان لم يشعر بذلك إلى تدمير نفسية المواطنين عبر زرع الشك والحيرة , وغرس معاني الذل والهوان والعيش بلا كرامة , ويتجلى ذلك عبر اقتحام المنازل دون إذن وعلم النيابة,وجر الأحرار إلى معتقلات مجهولة, وإطلاق الكلمات المشينة بحق أبناء الشعب,واستخفاف السلطات الأمنية بصرخات أهالي المعتقلين للإفراج عن أحبابهم مع كونهم أبناء قبائل وعائلات عريقة, فلا كرامة ولا تقدير.
 ما يرعب المستبد ويثيره العلماء وأصحاب المبادئ والعقول الحرة، الأمر الذي يجعل السلطات الأمنية في الدولة تستأصل تأثيرهم, وتعزلهم عن الشعب,وتجفف المناصب القيادية منهم ,وحجتها في ذلك تطهير البلد من المخربين والمتآمرين على الدولة والنظام,لكن لقلّة حيلتها لا تعتصم بدليل مادي يقنع الشعب!
 ومما يثير المرء أن المستبد لايستسيغ الحياة المدنية والنقابات المهنية والتجمعات الشعبية , ويقف صدا منيعا إزاء ما يعزز معاني الشجاعة والثقة بالنفس ومحاضن التنوير,وهذا ما نلمسه في وطني حيث الإقصاء للمجتمع المدني, والسيطرة على النقابات وحل مجالس إداراتها المنتخبة لاستبدالها بحمائم سلام عملها الرئيس إيماء الرؤوس وخطب وشعارات باهته لاروح فيها.
 مما يميز المستبد أنه يمارس هواية جمع المعلومات التفصيلية , الأمر الذي يجعل السلطات الأمنية في وطني تفتح الملفات للشعب عبر وثيقة للتعارف وامتلاك أدوات بشرية وتقنية للتجسس على الشعب لاتفرق بين الرجل أو المرأة والمسئول أوالعامل.
ومما يبعث على السخرية والتكلفة في آن واحد,ذلك أنه في حين أن المستبد ينتهك الحقوق والكرامة الانسانية والقانون عبر القمع وتكميم الأفواه والاعتقال وتكاليف اقامتهم ومراقبتهم وشراء الضمير ,فإنه ينفق كذلك الكثير من أموال الشعب لاستمالة العامة بالمال والمناصب والرواتب والخدمات,وذلك الذي تنتهجه السلطة في وطني الأمر الذي سيؤدي – إن لم يتوقف الانتهاك- إلى انعدام الثقة بين مكونات الشعب، وسيدبّ الخلاف بين الصديق وصديقه، وبين العوام ونخبه، وبين الموظفين والمحرومين من الوظيفة ,فينمو الشقاق والنميمة والحقد,وهذا ما يرنو إليه المستبد.
الأمر المحزن أن المستبد لا يثق بمواطنيه الصالحين كما يثق بالأجنبي, والمبدأ عنده أن الناس جميعا يودّون الإطاحه به،ومن ثم ينبغي أن يراقب المواطن الصالح قبل غيره,ويركز على الحرية المطلقة للمرأة على حساب الرجل والعدالة والقِيم فيحدث خلل في المجتمع,ويجلب الأجانب أو مجهولي النسب لإدارة المرافق الحساسة دون المواطنين, كما هو الحاصل عندنا عبر جلب الأجانب في قطاع التعليم والسجون والحراسات الخاصة وإنشاء خلايا أجنبية خارج نطاق مؤسسات الدولة لقمع واعتقال المواطنين.
أسوء مافي المستبد أنه لا يحب رجلا ذا كرامة، أو رجلا شريفا ذا روح عالية أو  الشخصية المستقلة بفكرها,ذلك لأن المستبد يزعم أنه يحتكر لنفسه تلك الخصال الحميدة,ومن ثم يشعر أن كل إنسان شريف صاحب كرامة إنما يزاحمه في الجلال والإباء, أو أنه ينافسه في التفوق والسيادة، ولن أستطرد في ذلك ولكن قلّب ناظريك في مسئولي الدولة المتنفذين لتركن إلى النسبة السليمة للاستبداد في وطني.
ما يسعى إليه المستبد أن يحتكر المجد لذاته, فهو الوحيد الذي يمتلك حب واحترام القلوب,وهو الأول في كل شئ, الأمر الذي يجعله لا يتذوق لذة المجد الحقيقية وهي النابعة من الإخلاص في الحب والعطاء والتفاني في حب وخدمة الشعب والوطن ليس لمجد شخص ولكن لمجد الأمة.
إن ما لا يدركه كثير من عوام الشعب- لجهلهم بحقيقته – أنهم صمام الأمان للمستبد, لذا يقول الكواكبي بحقهم:”هم قوت المستبد وقوته ,بهم عليهم يصول وبهم على غيرهم يطول, يأسرهم فيهللون لشوكته, ويغصب أموالهم فيحمدونه على ابقاء الحياة ,ويهينهم فيثنون على رفعته ,ويغرى بعضهم على بعض فيفتخرون بسياسته, وإذا أسرف بأموالهم يقولون عنه أنه كريم ,واذا قتل ولم يمثل يعتبرونه رحيما, ويسوقهم إلى خطر الموت فيطيعونه حذر التأديب, وإن نقم عليهم منهم الأباة قاتلوهم كأنهم بغاة “
إن الاستبداد والحرية ندّان متغالبان فكل إدارة مستبدة تسعى جهدها في إطفاء نور الحرية وحصر الرعية في ظل العرش ،الأمر الذي يجعل بعض الأحرار الذين يحيون في مستنقعات الاستبداد فيسعون إلى تنوير أفكار الشعب ، يطاردون وينكّل بهم فمنهم من يحارب ويعتقل ومنهم يهجّر خارج وطنه, وهذا سبيل كثير من العظماء وأولهم الحبيب محمد عليه الصلاة والسلام وأكثر العلماء والأعلام والأدباء الأحرار تغربوا  وبعضهم ماتوا كذلك.
الأمر المثير أنه كلما زاد المستبد ظلما واعتسافا زاد خوفه من رعيته ومن حاشيته وحتى من هواجسه وخيالاته, فيضحى كثير الغضب والتوتر والقلق،وأن هلاكه على يده إن لم يكن من شعبه,ولعل الجنون أقرب إليه.
ما يجب أن نعيه أن الاستبداد أصل كل فساد, وأنه يضغط على العقل فيفسده حتما, ولا يوقف ذلك التعثر سوى وعي شعبي تخالطه رؤية شفافة ومرجعية قانونية سليمة وعدالة اجتماعية وحكمة فواقة وشجاعة رصينة.
لن يستطيع المواطن أن يملك زمام أمره ويحيا في وطنه حرا كريما شامخ الرأس إلا إذا أدرك أن أشد وأخطر ما يواجهه هو جهله عن حقيقة قضايا وطنه وشعبه وحريته, وأن ذروة الجهل هو الخوف من مناقشة تلك القضايا.
قيل لأحد الأباة الأحرار ما فائدة سعيك غير جلب الشقاء على نفسك فقال:ما أحلى الشقاء في سبيل تنغيص حياة الظالمين,فلا تستبد يامتّعظ فمن يبلل يديه بالظلم والاستبداد فسوف يغسلها بالدموع والحسرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق