الخميس، 20 سبتمبر، 2012

فليحذر الظالمون!!




حقًّا وصدقًا، قصاصًا وعدلاً، فليحذر الظالمون مما سيصيبهم من ربِّ الظالم والمظلوم، إن لم يفيقوا من غيّهم ويعودوا إلى رشدهم، ويعلموا أنهم بظلمهم باعوا دنياهم وآخرتهم لدنيا آخرين ظالمين أمثالهم يسودونهم، وأن الله على إذلالهم لقدير وعلى دحرهم ونحرهم والانتقام منهم ليس ببعيد، وليس لهم توبة إلا بردّ حقوق العباد، وأنّ الله يمهل ولا يهمل، وهو الذي حرّم الظلم على نفسه وبين العباد.

نعم، إذا كان المظلوم أسيرًا بجسده خلف القضبان، إلا أنه بروحه في سعة ورحمة بمعية الله، طالما أنه في دعاء متواصل بين الأرض والسماء، والله ناصر المظلوم ومنتقم من الظالم.

أما الظالم الذي يظن أنه يعيش في سعة المكان الذي يأويه أو بحبوحة من العيش وإن رآه الناس كذلك، فهو في ضيق من نفسه وضنك في عيشه، إنه محبوس خلف قضبان ظلمه وفي صراع مع نفسه بين الحق الذي فرّط فيه والباطل الذي أتاه، كما أنه- والعياذ بالله- مقطوع الاتصال بين الأرض والسماء؛ حتى لا يستطيع أن يتنفس هواءً أو يخرج زفيرًا أو يطعم طعامًا أو يسعد بأهله وأحبابه، بسبب ظلمه لنفسه، وما ارتكبه من ظلم في حق العباد.

وأجزم أنه لو صدقنا الإجابة لأخبرنا أن الدنيا تضيق به؛ حتى تكاد تكون في حجم قبره الذي سيدفن فيه وأن جوانبها تكاد تطبق عليه نفسه وتختلف فيه ضلوعه، ولا سبيل له إلا بعودة الحق ونصرة المظلوم ورد الحقوق.

ولا يغيب في حق العاقل المكلف أنه "إذا أردت أمرًا واحترت فيه، أحق هو أم باطل، حلال أم حرام، فما عليك إلا أن تضع يدك على صدرك وتنظر إن كان ساكنًا مطمئنًا "فبها ونعمت"، وإن أحسست باضطراب وتوتر وقلق؛ فاعلم أنك وقعت في المحظور وأخطأت فاحذر، ﴿وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (آل عمران: من الآية 28), والله بصير بالعباد.

وسيجد كل ظالم ما عملته نفسه من خير محضرًا، وكذلك ما عمل من سوء، فكيف للظالم أن تسوّل له نفسه شرًّا والله تعالى يقول: "يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" وهل يعلم الظالم "أن الله ليملي الظالم حتى إذا أخذه لم يفلته".

ألم يع الظالم ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم عن "حابسة القطة" التي حبستها ظلمًا فلا هي أطعمتها ولا خلّت سبيلها تأكل من خشاش الأرض فحق الله عليها حكمًا أن تدخل النار، فما بالك يا ظالم إذا كان المحبوس إنسانًا قد يفضل عليك في الدنيا والآخرة؟!

هل إرضاء النظام يكون في عدم احترام القانون والدستور، واستغلال السلطة كأداة للتنكيل بالمعارضين الشرفاء والانتقام منهم ظلمًا؟!

وهل لا سبيل لتبوء المناصب أو التكسب إلا من خلال ظلم الشرفاء والنيل من حرياتهم؟

وأقولها للظالم: ألم تأخذ العبرة في من سبقوك من الظالمين كيف أصابهم الله بالأوجاع والأمراض؛ فمنهم من تذكّر وندم وأناب وتاب إلى الله المنتقم منهم ومن أحبابهم، ومنهم من مسّه الشيطان وأنساه ذكر الله؛ فكتب الله عليه أن يشرب من نفس الكأس الذي سقاه للمظلوم، ومنهم من أودع مصحات نفسية.. إلخ.

وإن كان لي أن أذكّر الظالم عسى أن يتوب والله يقول لنبيه: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (القصص: من الآية 56).

فهناك أمور عملية يجب أن يأخذ بها ويعدّ نفسه لها، ومنها إن أراد نصيحة وتوبة:
* العمل على تطهير قلبه بتخليته من كبائر الذنوب القلبية كالعُجب والكبرياء والغرور، وكذلك اليأس وسوء الخلق وسوء الظن، ثم تحليته بالعناية به، وتحليته بغذاء القلوب وهي كثرة العبادات من صلاة وعلى رأسها صلاة الفجر، وفيها يقول تعالى: ﴿وَأَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنْ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)﴾ (هود).

* الإنصات للقرآن الكريم وفهم معانيه وتدبر آياته، الأذكار صباحًا ومساءً، الاستغفار والدعاء وصولاً للقلب السليم الذي به تكتب النجاة؛ حتى يأتي الله بقلب سليم ﴿إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾ (الشعراء).

* العناية بالعقل بتغذيته بحقائق العلم على أيدي من يشهد لهم بالأمانة والاجتهاد ما يعين على فهم الدنيا وغيبيات الآخرة فهمًا سليمًا يدحض به الشبهات، ويجيب عن كثير من تساؤلات النفس والقدرة على فهم واستيعاب الآخر في فكره ورأيه.
العلم يحيي قلوب الميتين كما   **       تحيا البلاد إذا مسها المطر
والعلم يجلو العمى عن قلب صاحبه  **  كما يجلي سواد الظلمة القمر

* العناية بدواء النفس؛ حتى يكتب لها التحول من الأمارة بالسوء والظلم إلى النفس اللوامة وصولاً للنفس المطمئنة.. واعلم أن أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك، وهذا يفرض عليه دوام المجاهدة لشرور نفسه واستمرار محاسبتها.

* زيارة القبور للعظة والعبرة وإدراك حقيقة الموت وقربه منه، وماذا بعد الموت وذكر الجنة والنار ومن أي الفريقين سيكون.

هذه بعض الأمور اللازمة لاستقامة وتوبة الظالم، وإلا فالله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (فاطر: من الآية 22). وأخيرًا، فهل من توبة يا ظالم؟!! ولا أملك إلا الصراخ في وجوههم:

فليحذر الظالمون.. فليحذر الظالمون.
وأختم بقول ربي عزَّ وجلَّ: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (القصص: من الآية 88).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق