الجمعة، 21 سبتمبر، 2012

فتّش عن الحريات في الإمارات


فتّش عن الحريات في الإمارات

بقلم جاسم راشد الشامسي

إن العريضة التي وقعت من قبل 133 مواطنا وتبعهم مئات الموقعين في الموقع التي نشرت عليه, لم تكن آخر مطاف مسيرة الحريات في وطني الإمارات,وإنما كانت صفارة البداية نحو طريق طويل شاق تدور رحاه بين أحرار يسعون لنيل حرياتهم,وخصم شرِس مُستبّد صاحب السلطة المطلقة الذي يتصرف في شئون الجميع دون خشية من حساب أو عقاب.
أدري ان تلك العريضه لم تُوقع من كافة الشعب ,وحُرمت من التغطية الإعلامية الرسمية, ولم يتم التطرق إلى أسماء النُخب التي تشرفت بالتوقيع عليها,ولم يحتضنها حوار وطني يقوده المجلس الوطني الاتحادي الممثل للشعب,ولكنها على صعيد آخر كانت الضربة القاضية للصمت والخوف الشعبي الذي يُلبّد أجواء المشهد الإماراتي.
مما يبعث على الحزن والأسى أن يتم مواجهة مطالب تلك العريضة وأعضاءها المُصرّين على مطالبهم بِتُهم الخيانة والعمالة والنيل منهم معنويا وجسديا وانتهاك كرامتهم وتقييد حرياتهم,ذلك لأنها تضمنت مطلبين رئيسين الأول إجراء انتخابات حرة وشفافة تشارك فيها كافة أطياف الشعب,وثانيا إجراء تعديلات دستورية على بعض مواد السلطة التشريعية بما يكفل صلاحيات تشريعية ورقابية كاملة للمجلس الوطني الاتحادي,ولا أظن أنها مبررا لغضب السلطات التي تدّعي حبّها للشعب.
لم أصدق أُذُني حينما سمعت عن الحملة الإعلامية الأمنية إزاء تلك المطالبات التي أهيل عليها سَيْل من التهم والتشويه والإسفاف ,وأكاد لا أصدق عَيْناي حينما وقعت على خبر اعتقال خمسة من الناشطين والوطنيين الأحرار في العام المنصرم, وأُودِعوا  فجأة في غياهب السجون خمسة شهور دون إذن من النيابة العامة أو حكم قضائي ,تجرّعوا خلالها مرارات الإذلال والمهانة والتشهير  بسمعتهم , ليصدر بعدها عفو رئاسي دون إجراءات رد اعتبارهم وتعويضهم  أو حتى الاعتذار لهم.
والآخرون أيضا لن يقدروا أن يفسروا تجليات السلطات الأمنية العبثية, تلك التي شجعتها على إنفاق الملايين من ثروات الشعب لتشتري الجماد والعباد وذمم الكتاب والخبراء وبعض المسئولين, للسيطرة وتوجيه مطالب نخب الشعب,ذلك الذي سوّغ لتلك الحملة انتهاك قوانين الدولة والمبادئ العالمية لحقوق الإنسان,وأن تستضيف ببذخ خبرات عربية وأجنبية وأشخاص اشتهروا بالفساد في بلدهم للعمل ضمن فريق خبراء ومستشاري الأمن,وتعاقدت مع منظمات مشبوهه وملاحقة جنائيا مثال “بلاك ووتر” ,وبلغ مبلغها أن تسحب جنسيات سبعة مواطنين مخالفة بذلك دستور الدولة الذي يبيح سحب جنسية مواطن في ظل ثلاثة شروط أولها إنخراطه في خدمة عسكرية لدولة أجنبية, أو العمل لصالح دولة معادية, أواكتساب جنسية دولة أخرى, وذلك الذي لم يتحقق في قضية المواطنين السبعة!
ما أود أن أوضحه أن تلك الانتهاكات أدت إلى زحف استبدادي نحو حريات الشعب وحقوقه,الأمر الذي استدعى تصعيد المشهد عبر اعتقالات الناشطين الأحرار لمرحلة أخرى بدأت من الشهر الخامس لعام 2012,حيث استهل الأمن اعتقالاته بسبعة من المواطنين الذين سحبت جنسياتهم رغبة منه في نزع إعترافهم بقرار سحب الجنسيات أو الاعتقال والترهيب,ثم استمرت تلك الاعتقالات بصورة مضطردة وغير متوقعة,إلى أن بلغ العدد 61 معتقلا.
الجزء المؤلم من المشهد الإماراتي أن السلطات لم تعْتبر بما يجري من حولها في دول الربيع العربي,فمارست أقسى درجات الإستبداد الذي أحد ملامحه التعطش لعمليات البلطجة عبر التهجم الجسدي واللفظي, أو اعتقال الناشطين عبر اقتحام بيوتهم أو أمام محطات الوقود أو في الأماكن العامة أو من خلال رحلة السفر دون مراعاة أدنى درجات سيادة القانون وحقوق وكرامة الإنسان المواطن واستخفاف ضارب جذوره في الظلم.
إلى هنا والأمر مازال في دائرة الإنتهاك المشاع,لكن عندما يتم اعتقال المرء دون تهمة, ثم بعد عدة شهور من اعتقاله يتم تلفيق جريمة قلب نظام الحكم والتخابر مع منظمات أجنبية,وتكوين تنظيم سرّي أسّس جناحاً عسكرياً هدفه الاستيلاء على السلطة، وإقامة حكومة دينية في الإمارات بوسائل غير مشروعة, فهذا تصعيد خطير, الأمر الذي جعل الشعب وأهالي المعتقلين تائهين في خضم تلك التّهم وينتظرون الدلائل والأسانيد ,تلك الأسانيد التي عجزت السلطات الأمنية أن تثبتها.
 لمن أراد أن يفهم الحالة الإماراتية فإن مشهد الحريات وحقوق الإنسان يتسم بصفتين الأول مجمع انتهاكات تشمل انتهاك العلم والخبرة الوطنية عبر اعتقال 61 مواطن من خيرة الخبرات قضاة سابقين ومستشارين ورؤساء محاكم وتفتيش قضائي, ومحامين ومسئولين حكوميين  سابقين وإعلاميين ورجال أعمال وفنانين وناشطين حريات ورجال علم ودين وخبرات اعلامية ومالية وتربوية وإدارية,وانتهاك لحقوق الشعب عبر اعتقال أبنائه, وانتهاك للقانون والدستور عبر سحب الجنسيات, وانتهاك لمعاهدة مكافحة التعذيب عبر التعرض للمعتقلين بالتعذيب وحبوب الهلوسة والحبس لمدة طويلة في زنزانة انفرادية, وانتهاك لقانون الإجراءات الجزائية عبراعتقال المحامي ومنع المعتقل من اختيار ورؤية محاميه,  وتوجيه أهالي المعتقلين لاختيار محامين يديرهم الأمن, وحرمان المعتقل من رؤية ذويه, والتمديد بالحبس دون العرض على القاضي.
ونضيف إلى ذلك التوتر المسيطر على المشهد الإماراتي ,ذلك أن السلطة الأمنية مطالبة بإنهاء وضع الناشطين بأسرع ما يمكن ولفترة محدودة , الأمر الذي جعلها تسابق الزمن للقضاء على قافلة الحريات وكبتها دون طائل, فالحريات كالبحر الهائج من بعده سبعة أبحر لم تستطع السلطات الأمنية حتى الآن تجاوز البحر الأول,فضلا عن شراسة الخصم وتعدد أدواته لأن غالبيته من الشباب,والظروف المحيطة بالدولة خارجيا وداخليا,والترقب الحاصل من الطرفين الشعب والسلطة لردّات الفعل الداخلية والخارجية,وبخاصة دول الربيع العربي التي لن تصمت طويلا على ما يتعرض له شعب الامارات.
لن يستطيع المرء الذي يحظى بسلام داخلي, أن يبلع الصمت إزاء تلك الانتهاكات ,وخاصة في ظل اقتياد المعتقلين إلى جهات مجهولة,لا يعلمها النائب العام ولا المحامي العام  ولا القضاة ولا إدارة المنشآت العقابية والإصلاحية التابعة لوزارة الداخية, ولا يكشف عنها المنتهك جهازأمن الدولة.
وخلاصته إن ما يعانية ناشطي الإمارات من انتهاكات لحقوق الإنسان وحرمانهم من اللجوء إلى القانون والقضاء العادل,لم يأخذ حقه على المستوى المحلي والخليجي والعربي والعالمي ,فكثير من القنوات الفضائية التي تُعنى بحقوق الإنسان تجاهلته,والمنظمات العالمية لم تفرد له خبرا يستحقه, ودول الخليج العربي وحكومات دول الربيع العربي مازالت تصمت إزاء مايواجهه المواطن الإماراتي من خنق للحريات,ذلك الذي يُفضي إلى أن الناشط الحر الاماراتي يواجه خصمين: الأول ظلم ذوي القربى ممثلا في السلطة وصمت الشعب, والآخر  تجاهل حكومات الربيع العربي وشعوبها ومنظمات حقوق الإنسان العالمية,فمتى يفيق الزَّمان ويأتي بالخَصْب بعد الضِّيق؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق