السبت، 22 سبتمبر، 2012

ثلاث تجارب للأنبياء مع السجون


ثلاث تجارب للأنبياء مع السجون
- موسى عليه السلام
نبدأ بنبي الله موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، فقد أرسله الله إلى بني إسرائيل لفتح أرض الله المقدسة وتخليصها من أيدي الجبارين العتاة، لكن بني إسرائيل كانوا تحت بطش فرعون وعتوه فكان لزامًا أن يكون لفرعون من نبي الله موسى رسالة الدعوة والإرشاد والتوجيه بأمر الله ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19)﴾ (النازعات)، وبعدها علَّ قلبه يخشع ويخضع لمولاه وخالقه، وعندها قل له ﴿أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ..﴾ (طه: من الآية 47).

لكن فرعون تجبَّر وعلا في الأرض وقال ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ (القصص: من الآية 38) ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ (النازعات: من الآية 24) وكذَّب وافترى.. ومع هذا كان السلم والحوار والتفاهم لغة موسى عليه السلام، فلم يغتله ولم يلق بتبعة الدعوة عن كاهله كيف وهو المُكلَّف من ربه بتبليغ رسالته وتوصيل كلمته لعباده فجمع سيدنا موسى بين الصبر الجميل والعداوة بالحكمة ﴿قُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا﴾ (طه: من الآية 24)، ولهذا كان عليه السلام من أولى العزم من الرسل.

وكان ما كان من أمر فرعون إزاء داعية الله موسى عليه السلام، حتى كان الحوار الجريء الذي ينمُّ عن قوةِ العقيدة والثقة الجبَّارة في نصر الله وموعوده ودينه:
﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إنْ كُنتُمْ مُوقِنِينَ (24)﴾، هنا اندهش فرعون ولم يصدق ما يسمع فخاطب القوم ألا تستمعون؟! فعقب موسى: رب العالمين هو ﴿رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمْ الأَوَّلِينَ﴾.. ثم ما لبث فرعون أن رماه بالجنون متهكمًا، فعرَّفه موسى بربه أكثر وأكثر رب العالمين هو ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28) (الشعراء).

هنا لمَّا أخبرهم عليه السلام بالأمر الذي علموا أنه الحق الواضح, إذ كان فرعون ومن قبله من ملوك مصر لم يجاوز ملكهم عرش مصر, وتبيَّن لفرعون ومَن حوله من قومه أن الذي يدعوهم موسى إلى عبادته هو الملك الذي يملك الملوك.. أقول هنا أعلن فرعون أول عقوبةٍ إزاء الإيمان الصادق والعقيدة القوية.. ﴿لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ (29)﴾ (الشعراء).. لئن شرعت أيها الذي تُسمَّى داعية وتعمل بكتابٍ سماوي وتسير وراء منهجٍ إلهي.. لأن خالفتني وسرت خلاف هواي أنا وما أريد.. سجنتك ورميتك خلف الأسوار وليكن ما يكون.. وقال فرعون حينئذٍ ما قال استكبارًا عن الحق, وتماديًا في الغي لموسى، قال: ﴿لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي﴾ يقول- كما ورد في تفسير ابن كثير-: لئن أقررت بمعبودٍ سواي ﴿لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ﴾ يقول: لأسجننك مع مَن في السجن من أهله.

وكان فيما يُروى عن سجن فرعون أنَّ مَن دخله يفزع منه فزعًا شديدًا حتى كان السجين لا يمسك بوله، ورُوي أن سجنه كان أشد من القتل، وكان إذا سجن أحدًا لم يُخرجه من سجنه حتى يموت, فكان رهيبًا.

هكذا رأينا المساومة على الدين بل على الإله جل وعلا.. إما السجن وإما الإله، صحيح أن موسى لم يُسجَن؛ لأن معجزة الله تدخلت وكان ما كان من أمر العصا والسحرة، لكن لأن الأمر لم يكن فرعون فقط بل كان أمرًا أكبر من فرعون إنه بيت المقدس؛ لذا مرَّت المحنة هذه بمعجزة الله على نبيه موسى.

- يوسف الصديق والسجن ظلمًا:
هنا مساومة من نوعٍ آخر، الشرف والكرامة بمعناهما الواسع وأفقهما الرحب.. نبي مرسل.. امرأة فاتنة.. ذات منصبٍ وجمال.. الأبواب مغلقة.. وقبل هذا وبعده نبوة ورسالة تقتضي العفة والنزاهة.. فبرَّأه الله ثم المنطق الذي كان سائدًا ساعتها إن كان قميصه..... فلما بانت براءته عليه السلام كان المنطقي على أقل تقدير أن يتم العفو عنه؛ بل إنها تمادت في طلبها وقالت بملء فيها: ﴿لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ (يوسف: من الآية 32).

وهنا انقلبت الموازين وأصبح المتهم بريئًا والبريء متهمًا، وسُجن يوسف زورًا وظلمًا وكان السجن فاتحة خيرٍ على دعوته؛ حيث خرج من السجن ليكون وزيرًا يضبط اقتصاد الدولة ويزن حركة القوت للناس.
الملاحظ أنَّ حادثي موسى مع فرعون ويوسف مع بيت الملك كانا في مصر المحروسة..!!-

أخيرًا خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم:
حيث مكر به صلى الله عليه وسلم أعداؤه من بني جلدته ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ تمثَّل مكرهم في ثلاث صور، الإثبات أو القتل أو النفي والطرد.. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ ليقيِّدوك وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك، وقال السدي الإثبات هو الحبس والوثاق، وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع مَن أراد غيره بسوء (والحبس: السجن، والوثاق: تقييد اليدين والرجلين).

وهذه الآية منة من الله على حبيبه محمد- صلى الله عليه وسلم- يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر يا محمد من نعمنا عليك أنَّ الذين كفروا من مشركي قومك كادوا بك كي يثبتوك .. وعن قتادة قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾ الآية, يقول: ليشدوك وثاقًا, وأرادوا بذلك نبي الله النبي صلى الله عليه وسلم، وعن ابن جريج قال: سألت عطاءً عن قوله: ﴿لِيُثْبِتُوكَ﴾ قال: يسجنوك، وقالها عبد الله بن كثير.

الإخوة المعتقلون.. لكم الله، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.. وليكن لكم في أنبياء الله وصحابة رسله الكرام أعظم الأسوة والقدوة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق