السبت، 22 سبتمبر، 2012

درس في معاملة المتهمين من القرآن والسنة



بقلم: م. م .


أقدِّم اليوم دروسًا في معاملة المتَّهمين من القرآن ومن حياة الرسول والصحابة الكرام؛ لعلها تفيد أهل الاختصاص، فيعلمون كيف يؤدون عملهم ويحافظون على كرامة المواطنين في الوقت ذاته:

* الدرس الأول: في التحريات.. يجب عدم المساس بحريات المواطنين..

حرم الإسلام التجسُّس ولو في مجال التحريات داخل المجتمع المسلم، ويؤكد ذلك المبدأ قول الله تعالى ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ (الحجرات: من الآية 12)، ومما يعتبر تطبيقًا عمليًّا لهذه النصوص المباركة ما ورد أن عمر رضي الله عنه كان يعسُّ ذات ليلة، فوجد بيتًا فيه نور وسمع صوتًا يخرج منه، فتسوَّر البيت على أهله، فإذا بشيخ يشرب الخمر وتغنيه جارية، فقال له عمر: والله ما رأيت مثلك شيخًا!، فردَّ الشيخ: وأنا والله ما رأيت مثل فعلك فعلاً!، فقال عمر: وما ذاك؟ قال الرجل: نُهينا عن التجسُّس وقد تجسَّست، وأُمرنا أن نأتي البيوت من أبوابها وأنت تسوَّرت عليَّ داري، وأُمرنا بالاستئذان وأنت لم تستأذن!! قال عمر: صدقت، ورجع يجرُّ ثوبه، وأسقط القضية لأن الإجراءات لم تكن سليمة.



* الدرس الثاني: في التحقيق..

أما عن التحقيق فلم يتبع الرسول أيَّ أسلوب من أساليب التعذيب للحصول على المعلومات؛ لأنه جاء ليحرر الناس من كل ألوان الذل والقهر؛ فبالأحرى لا يمارس هو هذه الألوان مع أحد؛ كائنًا من كان، ولو من أعدائه؛ فقد ورد أنه قُبيل غزوة بدر، وبينما الفريقان يتجهَّزان أَسَر المسلمون رجلاً من قريش، ليحصلوا منه على معلوماتٍ عن القوم بدأ بعضهم يضربه..



وكان الرسول يصلي ففرغ من صلاته سريعًا وقال لأصحابه: ما هكذا تكون معاملة الأسير، وأخذ يحدِّث الرجل ويهدِّئ من روعه، ثم سأله مستعملاً فطنته صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قائلاً: كم يذبح القوم؟ فقال الرجل: يومًا تسعًا ويومًا عشرًا؛ يعني من الإبل، فنظر النبي إلى أصحابه وقال لهم: القوم بين التسعمائة والألف، وانتهى الأمر دون تعنيف الرجل أو إيذائه وجرح كرامته وإنسانيته، رغم أنه من قوم عدو لهم.
فما بالنا بأبناء جلدتنا وأبناء وطننا!! ولا حول ولا قوة إلا بالله.



* الدرس الثالث: في أدلة الإثبات..

لا يعترف الإسلام بالكلام المرسل في إلصاق التهم بالإنسان، بل لا بد من البيِّنة، وهي تُلزِم المدعي، والبيِّنة ربما كانت شهادة شاهدي عدل؛ أي يغلب عليهما الصلاح ولا يكونان من أصحاب الكبائر أو ممن يأتون خوارم المروءة، وذلك في جميع الحدود والقصاص عدا الزنا، فيشترط فيه أربعة شهود، أما جرائم التعازير فتثبت بشهادة شاهد واحد (التشريع الجنائي الإسلامي، فقرة 52).



وربما كان من أدلة الإثبات الإقرار؛ أي الاعتراف الذي يقال عنه اليوم إنه سيد الأدلة، ورغم ذلك فالرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حين جاءه رجل يقول: يا رسول الله.. لقد زنيت، لم يُقِمْ عليه الحد فورًا، بل ظل يراجعه: لعلك قبلت.. لعلك كذا، فلما أصرَّ الرجل على الاعتراف بجرمه كاملاً، وتبيَّن للنبي أنه مدركٌ لما يقول؛ غير مدفوع إلى الاعتراف بأي دافع آخر، هنا فقط أقام عليه الحد.



بل إن القاعدة الشرعية الثابتة "ادرءوا الحدود بالشبهات" لأعظم دليل على أن الإسلام لا يعترف بالدليل ولا يأخذ به إلا إذا كان لا يحتمل أدنى شك في إثباته للجريمة، وفي مسألة درء الحدود بالشبهات كلام عظيم في كتب الفقه وكتب التشريع لا يتسع المقام لذكره.



وربما يكون المدعي مدلِّسًا قادرًا على إثبات الزور، وإلباسه ثوب الحقيقة، فهذا يحذره الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في قوله: "لعل أحدكم أن يكون ألحن في حجته من صاحبه، فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئًا فإنما أقتطع له قطعة من النار".. هكذا حتى يراجع المزوِّر المدلِّس نفسه، ويعلم أن الحق إن ضاع في الدنيا فلن يضيع في الآخرة.



* الدرس الرابع: في القضاء..

إن معظم ما وجَّه إليه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم القضاةَ أنه قال: "لا يقضي القاضي وهو غضبان" وهو النص الذي فهم منه الأصوليون أن المقصود معنى التشويش الذي ينتج عن الغضب وليس الغضب ذاته؛ فمنعوا القضاء مع جميع المشوشات كما جاء في كتاب (الموافقات) للشاطبي، ومن هناك لا يجوز للقاضي أن يقضي لقريب له؛ لأن القرابة تشوِّش على القاضي، فلا تجعله يحكم بالعدل، ولا يجوز له أن يحكم تحت تهديد السلطان أو إغرائه وهكذا أي تشويش كائنًا ما كان.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق