الأحد، 23 سبتمبر، 2012

تحقيق سيادة الشعوب الخليجية في أوطانها (1/2)





بقلم: د. يوسف خليفة اليوسف

في ظل ما تمر به الدول العربية من ثورات أو المراحل الانتقالية التي تعقب الثورات، وبما أن الحكومات الخليجية لازالت في حالة إنكار لما يحصل حولها، بل إن بعضها لازال في سبات عميق ويمشي عكس تيار التاريخ وقيم المجتمع وروح الربيع العربي، كما هو حاصل في الإمارات، حيث تزايدت وتيرة الاعتقالات غير المقيدة بالقانون والتجريد من الجنسية والمنع من السفر وغيرها من وسائل مقاومة التغيير والتشبث بالأوضاع الراهنة بما فيها من استبداد وتهميش المواطن، ونشر الفساد المتمثل في القبول بالفن الهابط الذي تمثله مادونا وأمثالها، واستشارة فلول أنظمة الفساد والاستبداد البائدة، والاستقواء بأجهزة الارتزاق العالمي كبلاك ووتر التي تؤكد مصادر غربية أن مديرها صليبي حاقد يستبيح دماء المسلمين، وتخويف الناس من حكم الإسلاميين في مصر وغيرها وكأن أهل الجزيرة غرباء على هذا الدين، ومكارثية القرن الواحد والعشرين المتمثلة في محاكمة الأفكار الأصيلة النابعة من ثوابت هذه الأمة كل ذلك إتباعا للأهواء وحفاظا على المصالح الضيقة ورضوخا لرغبات الأعداء.

وهي ممارسات لن تحقق، في اعتقادنا، ما تريده هذه الحكومات من تكميم للأفواه، وإنما ستؤدي إلى مزيد من التوتر في هذه الدول ومزيد من عدم الثقة بين حكومات تعودت أن لا يسألها أحد عن ما تفعل وبين شعوب استنشقت نسيم الحرية ولم تعد لديها قابلية للاستعباد، وهي مستعدة لدفع أغلى الأثمان من أجل حريتها وحرية أحفادها مهما طال الزمن.

في هذا الخضم وبعد أن طالبنا الحكومات الخليجية في أكثر من مقالة بالمبادرة بالإصلاحات المنشودة، فإنه من المهم التأكيد على دور الشعوب في تفعيل المدافعة السلمية، وذلك بأخذ زمام المبادرة ومحاولة فهم الكيفية التي يمكن من خلالها الضغط على هذه الأنظمة الخليجية لإحداث التحولات المنشودة، وذلك بوضع رؤية لمسار الإصلاحات المنشودة في هذه النظم من غير تكبد تكاليف الثورات التي وجدت الشعوب العربية الأخرى نفسها مضطرة لدفعها من أجل التحرر من أنظمتها الاستبدادية.

ورغم أن هناك من يعتقد أن مصير الأنظمة الخليجية لن يختلف عن مصير بقية الأنظمة الاستبدادية، أي إنها ستصل إلى مرحلة المواجهة مع شعوبها وما يعنيه ذلك من انقسامات وتكاليف باهظة حتى تتأسس نظم بديلة، لأن النظام الاستبدادي، كما يقول أصحاب هذا الرأي، لا يتعلم من أخطائه أو أخطاء غيره، ويستشهدون بالبحرين وما آلت إليه الأوضاع فيها من مواجهات وعنف وبالإمارات والسعودية وتحولهما التدريجي إلى دول بوليسية.

وهنا نذكر القيادات التي أدخلت دولها في نفق الدول البوليسية بأن هذا المسار إذا لم يتم تداركه بسرعة، فإنه عادة ما ينتهي مهما طال الزمن إلى نهاية النظام أو انعدام الثقة برموزه كحد أدنى.

وعلى نقيض هذا الرأي التشاؤمي، هناك رأي آخر يقول إن هذه النظم الخليجية وبالنظر إلى موقعها ألإستراتيجي وأهميتها لدول العالم خاصة في ما يتعلق بالطاقة وكذلك استنادا لتركيبتها القبلية، ستظل ولمدة طويلة بمعزل عن الربيع العربي، لأنها قادرة على امتصاص انعكاسات هذا الربيع العربي من خلال آليات الترهيب والترغيب الداخلية، وبالاتكاء على بوليصة التأمين الخارجية.

وإن كنا نرى شيئا من الصحة في كل من الرأيين، بل إننا لا نستبعد احتمال الرأي الأول إذا لم تعد جميع الأطراف إلى رشدها وإذا تراكمت التوترات بين الحكومات وشعوبها ولم يحدث الإصلاح المنشود في وقته، إلا أننا لنا رأي ثالث يتمثل في إمكانية انتقال الحكومات الخليجية إلى حقبة ما بعد الربيع العربي والانسجام مع الأوضاع الجديدة التي أملاها الربيع العربي من غير دفع التكاليف الباهظة للثورات وما يواكبها من تدمير ومعاناة، وذلك من خلال عمل سلمي جاد ومكثف وموحد ودائم تتبناه الكتل المطالبة بالإصلاح في هذه الدول لتعديل موازين القوى لصالح شعوب المنطقة.

والغالب على هذا المسار أنه سلمي، وإن كان لن يخلو من بعض المطبات التي قد تفتعلها الأنظمة بين الحين والآخر، وهو مسار يطلق عليه في كثير من الأدبيات "التغيير اللاعنفي"، ونحن سنطلق عليه مسمى "المدافعة السلمية"، انطلاقا من تراثنا وقناعتنا بأن الله سبحانه وتعالى أخبرنا بأهمية مفهوم المدافعة وحذرنا من العواقب التي تؤول إليها المجتمعات إذا تعطلت فيها هذه الآلية، فالمدافعة ضرورية في حالة الاستبداد والفساد بأشكاله، لأنها تقلل من هذين الوباءين، وحتى عندما لا تكون هناك درجة كبيرة من الفساد والاستبداد، فإن المدافعة تكون بمثابة المناعة ضد حصولهما، مصداقا لقوله تعالى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة :251) وقوله تعالى: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا "(الحج : 40).

هذه المدافعة تمارس في الدول الغربية في سياق رؤيتهم الكونية من خلال برلمانات منتخبة وإعلام حر وقضاء مستقل وحقوق أخرى تتفاوت ما بين إلزام الحكومات بتوفير المعلومات إلى السماح بقيام المليشيات لتجنب أي نزعة تسلطية من قبل الحكومات المنتخبة.

ومهما اختلفنا مع الفلسفة التي تقوم عليها تلك المجتمعات إلا أننا نحترم ما حققوه من إنجازات خاصة في ميدان حقوق الإنسان، سواء كان ذلك بتعميق ثقافة الحرية أو ببناء المؤسسات الفاعلة لممارسة هذه الحرية.

فهم يستخدمون المدافعة للحفاظ على ما أنجزوه في مجال حقوق الإنسان، أما نحن فإننا نسعى لاستخدام المدافعة من أجل انتزاع الحقوق الأساسية التي لم نحصل عليها بعد وإن كان ضمن منظومة القيم والمعتقدات التي نؤمن بها ونستمدها من كتاب الله وسنة نبيه عليه أفضل الصلاة والتسليم.

ونظرا لأهمية الموضوع رأينا أن نطرحه على حلقتين، نتطرق في الجزء الأول إلى دحض بعض الشبهات التي تثيرها النظم الاستبدادية لمنع شعوبها من المطالبة بالحرية والسعي لتحقيقها، مع التأكيد على أن النظم الاستبدادية بطبيعتها هي نظم غير مستقرة، أما الجزء الثاني فنتوقف فيه عند أهم المنطلقات التي لابد لقوى الإصلاح أن تدركها وتعمل بموجبها لإحداث التغيير السلمي المنشود في منطقة الخليج والجزيرة العربية، لأن الحكومات الخليجية لن تبادر بإصلاحات جذرية إذا تمسكت شعوب المنطقة بسلبيتها الحالية وإذا ظلت غالبية سكان هذه المنطقة تنتمي إلى الأغلبية الصامتة، بل إن صمت الأغلبية وعدم ترجيحها لكفة التغيير السلمي قد يكون سببا في رجوح كفة الفئات التي لا ترى التغيير السلمي وسيلة ناجعة، وهذا أمر ستكون عواقبه خطيرة ولاشك.

* شبهات يجب إسقاطها من البداية:

قبل أن ننتقل إلى الحديث عن آليات تفعيل "المدافعة" لتحقيق الإصلاحات المنشودة في منطقة الخليج والجزيرة العربية لابد لنا أولا من إسقاط عدد من الشبهات التي طالما كانت بمثابة آليات التثبيط لأبناء هذه المنطقة عن المطالبة بحقوقهم والسير على درب الأحرار كغيرهم من الأمم.

ولاشك في أن إسقاط هذه الشبهات فيه تعرية لأنظمة الاستبداد وكشفها على حقيقتها أمام المواطن الخليجي، مما سيجعله أكثر إدراكا لقيمة الإصلاحات التي نطالب بها وسيزيد من إصراره على تحقيقها والتضحية من أجلها والصبر على مشاقها.

وهنا لابد من تكرار ما قلناه سابقا من أننا لا نرى في الأسر الحاكمة في دول المنطقة أعداء لنا مهما اختلفنا معهم، وإنما هم أهل لنا ومصيرنا مشترك معهم، وهذه قناعة راسخة في عقولنا وقلوبنا ويعلم الله أننا لا نقولها خوفا منهم أو طمعا فيما عندهم، هكذا كان الحال وسيظل، ولكننا عاهدنا الله سبحانه وتعالى أن لا نجاملهم وأن نصارحهم بما فيه خير هذه المجتمعات، فإرضاء الله يسبق إرضاء مخلوقاته، بل إنه شرط لأستقرر وازدهار هذه المجتمعات، كما أننا سنظل نخاطبهم بلغة واضحة وواحدة وهي لغة تعبر عن فهمنا وقناعاتنا لحقائق الواقع وكيفية التعامل معها.

وحديثنا هنا عن المنهج المطلوب للإصلاح يصب في هذا التوجه، وهو حديث في غالبه يتعلق بما ينبغي على الكتلة الإصلاحية عمله، وقد سبق وأن خاطبنا الحكومات عما هو مطلوب منها فعله لإيجاد لحمة قوية مع شعوب المنطقة.

ولابد لنا في خضم التطورات الأخيرة في الإمارات وما واكبها من اعتقال 51 إصلاحي نحسبهم من بين نخبة أبناء هذه الدولة، أن نؤكد لحكومة الأمارات مرة ثانية أن هذا الأسلوب في علاج الخلافات حول مطالب أبناء الدولة لن يؤتي أكله، بل إنه سينعكس سلبا على كل شرائح المجتمع الإماراتي بما في ذلك قيادات الدولة.

ولذلك، فإننا ننصح هذه القيادات بأن تسلك نهجا ينسجم مع ظروف المنطقة، وأن تتعامل مع المطالب الإصلاحية بايجابية وأن تبتعد عن التلفيق المسبق للتهم بأشكالها، وأن تدرك أن كثيرا من مآخذها على التيارات الإصلاحية كالتنظيم والسرية وغيرهما هي نتيجة لسياساتها في المقام الأول، ولو أنها أوجدت قنوات طبيعية وشفافة لنمو المجتمع المدني الحر لما اضطرت بعض شرائح المجتمع إلى السرية.

كما أن العمل حتى ولو كان سريا لا يُعتبر جريمة بحد ذاته إذا كان قائما على البر والتقوى ونشر الفضيلة ومحاربة الفساد الذي طالما غضت عنه حكومة الأمارات الطرف.

باختصار، نرجو من قيادات الدولة أن تدرك بأنها تتحمل مسؤولية ما ينتج عن بيئة الكبت وتكميم الأفواه وحرمان الناس من حقوقها من آثار قد تراها هذه الحكومة ممارسات غير مقبولة، لذلك فإننا نسأل قيادات هذا البلد: ألا ترون أن المشكلة فيكم وليست في من يطالب بالإصلاح، فقد ضيقتم على العمل الدعوي بكل إشكاله سواء ما تعلق بتربية الأجيال أو بالعمل الخيري أو بخطب المساجد أو بالعمل النقابي وأخفقتم في الارتقاء بدور المجلس الوطني حتى يعبر بصدق عن آمال المواطنين وصادرتم الحريات الإعلامية، فتحولت هذه المؤسسة إلى مرتع لنشر الرذيلة والجريمة والنفاق، وتدخلتم بشكل سافر في القضاء حتى فقد مصداقيته محليا ودوليا، ثم سمحتم بتفشي الفساد والرذيلة بأنواعها، وليست حفلة مادونا إلا آخرها، واستعنتم بمرتزقة العالم الذين أدانتهم أكثر من دولة لجرائمهم، ومنعتم كثير من علماء الأمة من زيارة هذا الوطن وتنشئة الأجيال تنشئة سليمة ومعتدلة.

وفي المقابل اعتقلتهم ثلة من أبناء الوطن الأطهار الذين يعرفهم القاصي والداني ليس فقط في الأمارات وإنما في منطقة الخليج بأكملها، وحاكمتموهم في الإعلام واتهمتموهم بالخيانة والعمالة والتآمر ولم تسمحوا لأحد أن يدافع عنهم، وقد تمادت بعض الفئات المحسوبة على أجهزتكم، فبدأت تشهر بأسر وعائلات هؤلاء المعتقلين.

ولاشك في أن هذا السلوك يدل على أن هذه الفئة من الكائنات ولا أقول البشر قد أكدت أنه ليس لديها احترام لنفسها ولا غيرة على أهلها ولا خوف من الله سبحانه وتعالى، وإلا كيف يرضى الحر أن يتعدى على حرائر وطنه إذا كانت لديه ذرة مروءة.

ولازلنا نتأمل أن تكون هذه حالات شاذة ولا تعبر عن أي جهاز من أجهزة هذه الدولة مهما اختلفنا معها، وإلا فإننا أمام طامة كبرى، بل أن بعض من كنا نتوسم فيه العقل والخوف من الله ولازلنا، زل زلة لا مبرر لها باتهام المعتقلين بالمرض من غير أن يقدمهم حتى لأخصائي نفسي تبرئة للذمة على الأقل.

ما هذا يا إخواننا؟ أليس هؤلاء أبناؤكم وإخوانكم؟ وهل يعقل أن يتم هذا التشويه للحقائق من أجل مصالح آنية؟ وهل تعتقدون بعد كل هذا أن سياساتكم منطقية أو عادلة أو لها صلة بأمن وازدهار الوطن، أم إنها ليست أكثر من مزاجية وقصر نظر وفقدان المشورة العاقلة التي لم يقدمها لكم من حولكم؟

ونقول لكم، وبعكس ما تسمعونه من بعض الانتهازيين والوصوليين، إننا نطالب بالحرية الكاملة التي يسمح بها ديننا وتتطلبها المرحلة التي نعيش فيها وتجمع عليها غالبية المجتمع، والمطلوب منكم أن تسيروا في ركب غالبية أبناء المجتمع وأن لا تنصتوا للأصوات الشاذة والكيس من اعتبر بغيره.

فبعض أصحاب هذه الأصوات يستخف بغالبية أبناء المنطقة، ففي علاقاته مع الخارج يتحدث عن الحرية بأشكالها، ولكنه في الداخل وعلى الرغم من تزايد الاعتقالات والتعدي على الحقوق الأساسية لأبناء المنطقة، يتكلم لغة المصالح والاقتراب من السلطة وتبرير الواقع، فتراه يتفلسف حول أمور إجرائية كالتعددية والحزبية وإمكانية اختراقهما لدولنا، بينما كان الأجدر به أن يدرك أن أبناء هذه المنطقة يطالبون بأمور جوهرية كالمشاركة في صنع القرار والحفاظ على المال العام واستقلال القضاء وحرية الصحافة، وهذه مطالب شرعية وحقوق أساسية ولا تستقر الأمم وتنهض إلا بها.

اما كيفية إنزالها على الواقع، فمسألة قابلة للنقاش والتنوع من مجتمع إلى آخر، أو كما قال علماؤنا إن العبرة في المقاصد والمعاني لا في الألفاظ والمباني، وكما قال القائد الصيني "لا يهمني لون القطة إن كانت بيضاء أو سوداء طالما أنها تأكل الفئران"، ونحن لاتهمنا أشكال المؤسسات طالما أنها تحقق الأهداف السابقة ولا تتعارض مع ثوابتنا الحضارية.

ولكن هذه الفئة تأبى إلا أن تتلون بتلون المكان والزمان وتستمر في أسلوبها التحريضي ضد من لا يمارس الانتهازية مثلها.

فأولا: لابد من إسقاط الشعار الذي طالما رفعته أنظمة الاستبداد من المحيط إلى الخليج في وجه شعوبها بالقول إنه "لا صوت يعلو على صوت المعركة"، أي المعركة ضد اليهود، ذلك أن تاريخ هذه الحكومات شاهد على أن معركتها لم تكن قط مع اليهود، وإذا كانت معهم فهي معركة خاسرة، لأن ما تسيطر عليه إسرائيل عندما بدأت هذه الأنظمة حربها معها قبل أكثر من ستين عاما كان أقل بكثير مما تسيطر عليه من أرض فلسطين في الوقت الحاضر، أي أن هذه الأنظمة فشلت في تحرير أرض فلسطين، بل وفرطت في المزيد من هذه الأرض، لأنها استبعدت شعوبها من المعركة واكتفت بحروب الشعارات.

أما قضية الجزر الإماراتية، فالجميع يعلم أن دول المجلس لم تستطيع منذ قيامه أن تتخذ موقفا موحدا تجاه إيران وتدعمه بتقوية الجبهة الداخلية سياسيا واقتصاديا يُحسب لها حساب، بل إن غياب هذا الموقف الموحد يمتد حتى إلى داخل الأمارات نفسها، حيث إن بعض الإمارات تميل إلى تبني مواقف صارمة تجاه إيران، بينما تميل إمارات أخرى إلى عكس ذلك.

واسترجاع الجزر الإماراتية لن يتحقق بالتصريحات الاستهلاكية التي لا يواكبها تغيير في موازين القوى مع إيران، ويتطلب هذا تقوية الجبهة الداخلية على كل الأصعدة، وأهمها الإصلاحات السياسية، ويتطلب المضي وبجدية نحو درجة متقدمة من التكامل الاقتصادي، ويتطلب كذلك العمل على إيجاد مظلة أمنية عربية، إلا أن هذه الحكومات لا تريد أن تأخذ بأسباب القوة، لأن ذلك يعني تنازلها عن احتكار السلطة والثروة سواء كان ذلك داخل كل دولة أو على مستوى المجلس، وهي لن تقوم بذلك إلا بضغوط شعبية، لأن الشعوب وليست الحكومات هي التي تخسر من استمرار الأوضاع الحالية.

والذي يؤكد إخفاق هذه الدول في ردع الخطر الإيراني، هو أن إيران استولت على كامل جزيرة أبوموسى عام 1992 وطردت رعايا الشارقة منها وأقامت في محيطها قاعدة عسكرية، علما أن الاتفاق الذي وقعه حاكم الشارقة السابق، الشيخ خالد القاسمي، مع الحكومة الإيرانية وبوساطة بريطانية عام 1971 في ظل موازين قوى مختلة، كان ينص على تقاسم ثروات الجزيرة وسيادتها [1].

وبالتالي، فلا بد من شعار جديد ترفعه هذه الشعوب في وجه أنظمتها الاستبدادية، وهو أن "تحرير كل شبر من الأراضي العربية المحتلة يتطلب تحرير كل إنسان عربي من المحيط إلى الخليج من كافة أشكال الاستبداد".

ذلك أن الحكومات المنتخبة من قبل شعوبها الحرة هي أقوى في مواجهة خصومها، ولا ينبغي أن تنخدع هذه الشعوب بعد الآن بادعاءات حكومات الاستبداد، بأن إخمادها للمعارضة المحلية تحتمه حاجتها لمواجهة الأعداء الخارجيين في الوقت الذي تعبث فيه هذه الحكومات بالثروة وتستقوي بالأجنبي وتتواصل سرا وعلنا مع إسرائيل من أجل القضاء على روح المقاومة الفلسطينية، خاصة في غزة، سواء أكان ذلك عن طريق الحصار أم باستخدام القوة كما فعلت إسرائيل أكثر من مرة، وليست محاولة دايتون الانقلابية الفاشلة على حماس قبل سنوات، والتي أيدتها أكثر من دولة عربية ومعها القيادة الفلسطينية في رام الله عنا ببعيد.

وهذا الهدف، أي تفكيك الاستبداد والتخلص منه، وبناء مجتمعات تسودها الحرية والمساءلة للحكومات، ينبغي أن يكون هدفا راسخا في قلوب الأحرار، كما ينبغي على هؤلاء الأحرار أن يكونون على استعداد للتضحية من أجله بكل غال ورخيص مهما طال الزمن أو قصر، ويجب أن تدرك أنظمة الاستبداد أن نيل الحرية وإنهاء الطغيان هو هدف إستراتيجي للشعوب، أي أنه غير قابل للمساومة أو التأجيل أو أنصاف الحلول.

أما الشبهة الثانية التي طالما روج لها الاستبداد وأعوانه، فهي أن الشعوب العربية ليست مؤهلة للحكم. وفي الحقيقة، فإن الشعوب العربية مؤهلة أكثر من أي وقت مضى، ولدى ابناؤها جميع المعارف الحديثة والتخصصات بأنواعها، ولكن المشكلة في أن بيئة الاستبداد تبعثر الطاقات وتحطم الطموحات وتقتل الإبداع، لأنها تعتمد الولاء الأعمى بدل الكفاءة والأمانة.

بل إن الثورات العربية قد كشفت أن غالبية القيادات التي حكمت العالم العربي خلال ما يعرف بمرحلة الاستقلال كانت تابعة للخارج وتنهب ثروات شعوبها ولدى بعضها نزعة إجرامية كشفت عنها إحداث الثورات، فلم يسقط نظام عربي حتى الآن إلا واتضح أن رموزه كانت منشغلة بهمومها ومصالحها وبعيدة كل البعد عن آمال وآلام شعوبها، بل إن ارتباطاتها مع بلير وبوش وتشيني بمؤسسات اقتصادية وسياسية عالمية هي أكثر من ارتباطاتها بأوطانها وشعوبها.

وحتى لو افترضنا جدلا أن هذه الحكومات مثالية، وهي ليست كذلك، فإن من واجبها أن تسمح لشعوبها أن تمارس حريتها على كل الأصعدة، لأنه لا يمكن للإنسان أن يكون فارسا من غير أن يتدرب على ركوب الخيل، كما أن السباحة لا يمكن إتقانها إلا بالممارسة.

الشبهة الثالثة التي ينشرها أعداء الحرية في زوايا عالمنا العربي، هي أن الديمقراطية الغربية تتعارض مع الدين، أو أن هناك تضاربا بين الشورى والديمقراطية، وهنا نشير إلى أن النظام الديمقراطي المطبق في الغرب هو أقرب إلى الشورى الإسلامية الملزمة من النظم الاستبدادية الحالية لأنه يحترم كرامة الإنسان، ويساوي بين الجميع أمام القانون في ظل مواطنة واحدة، ويتم فيه تداول السلطة بين كافة شرائح المجتمع، وتحفظ في ظله الثروات من النهب.

ولاشك في أننا لو أخذنا بهذا النظام ضمن ثوابتنا، فإننا سنكون قد خطونا الخطوة الأولى الصحيحة نحو بناء مجتمعات معاصرة وحرة.

وأخيرا، طالما حاولت أنظمة الاستبداد اللعب بورقة الخلافات بين أطياف التيارات المطالبة بالإصلاح إما عن طريق التحالفات الوقتية مع تيار ضد الأخر، أو من خلال اتهام هذا التيار أو ذاك بالتشدد أو العمالة للخارج، أو من خلال تشويه الحقائق وتزوير مواقف الإصلاحيين، خاصة في ظل هيمنة هذه النظم الاستبدادية على الإعلام الرسمي وشبه الرسمي.

وفي اعتقادنا، فإن إسقاط هذه الورقة من أيدي النظم ألاستبدادية في الخليج يتطلب التوصل إلى إجماع بين الكتل أو الفئات المطالبة بالإصلاح على اعتبار أن جميع هذه التيارات قد ولدت في ظروف مختلفة لمواجهة الاستعمار الأجنبي أو الاستبداد الداخلي.

ولاشك في أن فكر وممارسات هذه التيارات جوانب إيجابية وسلبية، ولكنه يبقى إرث لهذه الأمة تستطيع أن تبني على إيجابياته وتتجاوز سلبياته، بدل أن يكون هذا الإرث أداة أخرى يستخدمها الاستبداد لتفتيت المعارضة ومنع ظهور أي جبهة إصلاحية تحقق أهداف النهضة المتمثلة في نقل سلطة القرار وادارة الثروة إلى أيدي من يمثل إرادة شعوب المنطقة بدل أن تظل هذه المنطقة أسيرة المصالح الشخصية والخارجية إلى ما لا نهاية.

وهذا يعني أن المطلوب من كل الأحرار في هذه المنطقة مهما اختلفت مشاربهم الفكرية أن يعملوا على المشتركات بينهم، والتي من أهمها وجود مجالس تشريعية ورقابية منتخبة، وقضاء مستقل يتساوى أمامه الجميع، وصحافة حرة تكشف الحقائق وتساعد المواطن على ترشيد قراراته، وحكومات خاضعة لمساءلة المجالس المنتخبة في قضايا الأمن والتنمية.

ونحن على يقين أن هذه المشتركات في حال تحققها ستوجد بيئة صحية وعقلانية لعلاج كافة القضايا الأخرى المختلف عليها، وكل ما تعجز النخب عن التوصل إلى اتفاق حوله يمكن عرضه على شعوب هذه الدول لتحسم الأمر فيه من غير أن تفرض فئة إرادتها على الأخرى.

ولا يمنع ذلك أن تثري هذه المدارس الفكرية بعضها بعضا بحوارات جادة لتطوير رؤية إصلاحية تحقق الاستقرار والازدهار ولا تتصادم مع قيم هذه المجتمعات.

وهكذا نكون قد وضعنا اللبنة الأولى لنهضتنا المنشودة التي عجزت النظم الاستبدادية عن السير فيها، لأنها لم تخضع لإرادة شعوبها وإنما انغلقت على مكاسبها ونفوذها وهمشت غالبية شعوبها، وليس هناك خيار آخر لهذا البديل السلمي سوى المزيد من الاستبداد والظلم والمزيد من التخلف واحتمالات العنف في المنطقة.

ولابد من التأكيد مرة أخرى هنا أن الأنظمة الخليجية الحالية إذا تركت من غير ضغوط شعبية تتمخض عنها مشاركة ومساءلة فعلية، فإن ما تلوح به هذه النظم بين الحين والآخر، كالحديث في الوقت الحاضر عن اتحاد بين السعودية والبحرين، لا قيمة لها ولن تؤثر في موازين القوى مع المتربصين، وإن كانت ستنفع هذه الأنظمة للاستهلاك الداخلي، فقد مضى على جهود هذه الحكومات التكاملية أكثر من ثلاثين عاما ولازالت تراوح مكانها، فلا ينبغي أن ينخدع أحرار هذه الأرض بشعارات هذه الحكومات بعد الآن، بل يجب مطالبتها بترجمة شعاراتها على ارض الواقع حتى تدور عجلة التغيير نحو مستقبل أفضل.

* حكومات الاستبداد غير مستقرة:

لقد اتضح لنا من مما سبق أن التحرك الإصلاحي في منطقة الخليج ينبغي أن يظل بعيدا عن العنف، ولكنه كذلك لابد أن يكون تحركا واعيا ومنظما ودائما حتى يؤدي إلى تحقيق الإصلاحات المنشودة ضمن بعد زمني واضح إلى حد ما، لأن الحكومات الخليجية لن تبادر وحدها بالإصلاح ما لم تشعر بمطالبة جدية بالإصلاح من قبل شعوب المنطقة وتاريخها شاهد على ذلك.

فجوهر الإصلاح المنشود هو تصحيح موازين القوى بين الحكومات الخليجية وشعوبها، ففي الدول التي تحكمها إرادة الشعوب تكون الشعوب هي سيدة القرار، وهي التي تمارس، من خلال حكومات منتخبة، الرقابة على الكيفية التي تصنع بها السياسات وتصاغ بها التشريعات، والكيفية التي تجمع بها الموارد والصور التي تنفق بها.

الأمر الذي يعني أن الحكومات تكون خادمة لأجندة كافة شرائح المجتمع، وإذا أخفقت في تحقيق ما وعدت به شعوبها، فإنها تستبدل من خلال صناديق الاقتراع التي تتم بصورة دورية، كما أن من سمات هذا الحكم الفصل بين السلطات القضائية والإعلامية والتشريعية والتنفيذية، مما ينتج عنه تدافع دائم بين هذه المؤسسات حتى يرتقي أداؤها وتحقق أهداف المجتمع المتنوعة.

أما في دولنا الخليجية، فالحكومات هي التي تسيطر على المجتمع لأنها تهيمن على الثروة وتحتكر القرار وتتحكم بالقوى الأمنية والعسكرية، كما أنها تسيطر على الأعلام والقضاء والمجالس التشريعية المعينة، كل ذلك من غير أدنى رقابة أو مساءلة مجتمعية لضمان خدمة هذه الحكومات لشعوبها.

وبسبب غياب هذه الرقابة فإن سجل هذه الحكومات يشهد بأنها حرصت دائما على خدمة مصالحها على حساب مصالح شعوبها، حتى أصبح المواطن يستجدي حقوقه من هذه الحكومات وهي قد تعطيه أو تمنعه، وإذا منعته فليس أمامه إلا الصمت والقبول بالظلم، بينما عندما تقصر الحكومات في الدول الديمقراطية فان المواطن لديه القدرة على طرح قضيته على أكثر من جهة ابتداء من البرلمان المنتخب مرورا بالإعلام الحر وانتهاء بالقضاء المستقل فلا يضيع حقه.

هذه المعادلة المختلة في علاقة الشعوب وحكوماتها في منطقتنا العربية والخليجية جعلت هذه المجتمعات غير مستقرة، لأن العدل أساس الملك وصمام الأمان، وغيابه يؤدي إلى الاضطراب لأن أصحاب الحق يستمرون في محاولة استرجاع حقوقهم مهما طال الزمن والنظام المستبد يسعى إلى حرمانهم من ذلك.

وهكذا ينشغل المجتمع بقضية العدل ولا يتفرغ لتحقيق التنمية، وهكذا فالنظام المستبد يخفق كذلك في تحقيق التنمية الفعلية بأبعادها المختلفة، لأن الاستقرار بالمفهوم الذي ذكرناه سابقا هو شرط للازدهار.

والذي يؤكد عدم استقرار أنظمة الاستبداد بأشكالها، الثورات والإرهاصات التي حدثت منذ بداية عام 2011، أما ما يؤكد فشلها التنموي فهو تخبط العالم العربي في ذيل قائمة مؤشرات التنمية بين دول العالم، وبالتالي فلا بد لحكومات دول مجلس التعاون أن تدرك بأنها لا تستطيع، خاصة على المدى المتوسط والبعيد، أن تحافظ على هذه العلاقة غير المستقرة مع شعوبها مهما استخدمت من وسائل الترغيب والترهيب، ومهما شوه إعلامها الرسمي الحقائق، ومهما استقوت بالقوى الخارجية.

وبالتالي، فلن تستطيع هذه الأنظمة أن تصل إلى نقطة التوازن أو الاستقرار الذي يمثل نقطة ارتكاز للتنمية الفعلية والأمن الشامل إلا إذا بادرت بالإصلاحات المطلوبة وفي الوقت المناسب، لأن الزمن ليس في صالحها وإنما في صالح الشعوب، إذ إن هناك كتلة بشرية ضخمة تفصل اليوم بين الحكومات ومؤيديها وبين المطالبين بالإصلاحات، وهذه الكتلة تتحرك في الغالب مع النواميس الكونية، والتي في مقدمتها ميل الشعوب إلى التحرر من الظلم والفساد.

كما أن هذه الكتلة ستدرك مع زيادة وتيرة المدافعة بين الحكومات والكتلة المطالبة بالإصلاح بأن مستقبل أبنائها مرهون بحصول هذه الإصلاحات، وبالتالي فإن هذه الكتلة سترجح إن آجلا أو عاجلا كفة المطالبين بالإصلاح، وإن كان ذلك سيعتمد على إدارة كتلة الإصلاح للمدافعة مع الحكومات الخليجية.

لذلك، فإننا نعتقد أن تصحيح العلاقة غير المستقرة بين الحكومات الخليجية وشعوبها لا يمكن أن يتحقق بالصورة المطلوبة حتى ولو بادرت هذه الحكومات بالقيام ببعض الإصلاحات، إلا بضغوط مؤثرة واعية ومستمرة وفي ظل رؤية واضحة من قبل القوى المطالبة بالإصلاح، حتى يحدث الانتقال المطلوب بأقل كلفة وبأسرع وقت، وهذا الضغط المجتمعي على الحكومات هو ما نتوقف عنده في بقية حديثنا في المقال القادم.
المصدر دعوة الاصلاح http://www.aleslaah.net/site/showthred.php?id=3785


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق