الجمعة، 24 أغسطس، 2012

(مبادرة أهل الإمارات) بين تطلعات المواطنين، وطغيان جهاز الأمن .. رؤية وملاحظات


(مبادرة أهل الإمارات) بين تطلعات المواطنين، وطغيان جهاز الأمن
رؤية وملاحظات
طرح بعضهم مبادرة سماها (مبادرة أهل الإمارات لجمع الصف وتوحيد الكلمة)، وأشكره عليها، داعيا له بالأجر والثواب، محسنا الظن فيه وفي طرحه، وفي حسن نيته، والله يتولى السرائر.
وبحكم كوني مواطنا إماراتيا، يهمني أمر دولتي ومن فيها، يقع علي ما يقع على غيري من ممارسات، ولنا جميعا طموحنا وتطلعاتنا وآمالنا في دولة إنسانية عصرية حضارية متمدنة، لها الريادة والسيادة.
ولِكَوْني متابعا جيدا للحراك الثقافي والفكري والإصلاحي، ومعايشا لرجال ورموز دعوة الإصلاح، رأيت أن أُقَدِّم ملاحظاتي على هذه المبادرة، راجيا أن تتسع الصدور:
_ ذكر صاحب المبادرة أنها تهدف إلى (حوار يوحد الصفوف والكلمة وينبذ الفرقة)، وذلك هدف جميلٌ مَرْضِي، ولكنْ لا يخفى على كل عاقل، أن الحوار لا بد أن يتم بين طرفين مختلفين للوصول إلى نقاط اتفاق وائتلاف، تُرضِي جميع الأطرف، وفي هذه المبادرة، نلاحظ أن الطرف المعْنِـيَّ، والذي وقع عليه الظلم، مَقْصَيٌّ مُلْغًى، مُغَيَّب في السجون، فأي حوار هذا؟ إنه حوار منقوص، من طرف يتحاور مع نفسه؟؟!!
وخاصة أن صاحب المبادرة وضّح أنها ليست مكتملة إلا بعد التشاور مع (المعنيين من الشيوخ والمسئولين ورجالات الدولة) فأينَ الطرف الآخر إذن؟ الذي هو صاحب القضية، ومحور هذه المبادرة، والذي وقع عليه الظلم؟؟!!
_ لا ننكر ما نصت عليه المبادرة في ديباجتها من النجاحات والإنجازات التي حققتها الدولة، فهذا كله متفق عليه لا ينكره إلا مكابر، ويعترف به الجميع. ولكنه حَصَر سقفَ المطالب في نقطتين هما: المشاركة النيابية بانتخابات عامة حرة نزيهة، والحريات الإعلامية.
إن حصر المطالب في هذين فقط، إنما هو اجتزاء واختزال شديد وغفلة كبيرة عن حقيقة المطالب الشعبية والوطنية التي يطالب بها عموم الشعب الإماراتي بمثقفيه وغيرهم، ومنها هذان المطلبان، واللذان هما نتاج للمطلب الحقيقي المغيب، وليس كما ادعى أنها (مطالب فئوية) فالمطلب الحقيقي: هو الحرية الشاملة المضبوطة بضوابط الدين والأعراف والقيم الحضارية، ومنها حرية وكرامة المواطن وعدم مصادرة حقه الوطني والإنساني، وعدم إلغائه في أي لحظة بقرار (جهاز الأمن) المهيمن على كل مفاصل المجتمع، وكأنّ هذا الجهاز هو الحاكم بأمره، الذي يُفصِّل الحقوق كما يشاء. فيَرضَى عَمَّن يشاء ويُلغِي مَن يشاء، تلك هي الطامة الكبرى.
فالمجاميع الوطنية المثقفة والفاعلة والمخلصة من أبناء الشعب، ترى ضرورة وضع سياسات ثابتة تضمن الحق الكامل لهذا المواطن في وطنه، وحفظ كرامته، مع وجود آليات تنصفه حال انتهاك هذه الحقوق له. تتجلى في قَضاءٍ مستقلٍ استقلالا حقيقيا، غير مسيَّر من جهاز الأمن، وبرلمانٍ مُنتخَبٍ ينتصر له ويطالب بحقه، وإعلامٍ حرٍّ نزيه يعرض رأيه وصوته، لأن الوطن للجميع وليس لفئة معينة، تتصرف في الوطن وتختزله في ذواتها هي فقط. وكأن الوطن كله ملكية خاصة لفرد أو بعض أفراد، والشعب ما هو إلا مجرد مجاميع من العبيد المستأجرين، العاملين في ملكية ومزرعة هذا السيد أو ذاك، والذي يتكرم عليهم بمكرماته بين الفينة والأخرى، وقد يلغيهم بجرة قلم.
إن المواطن الآن عندما يُعْطَى حقَّه، يَمُنُّ عليه النظام السياسي بهذه الحقوق، فجنسية هذا المواطن، وراتبه  وبيته، وسيارته، وكل مقومات الحياة التي هي حق من حقوقه الآدمية والوطنية، إنما هي مكرمات ومنح من النظام السياسي، وعلى المواطن المسكين فقط أن يسبح بحمد السيد الذي تَكَرَّم عليه بها، وتُساق كلُّ وسائل الإعلام والمثقفين والكتاب و المفكرين وكل الشعب، ليقدم الجميع عبر وسائل الإعلام الشكر لصاحب هذه المكرمات، فأين هي حقوق المواطن وكرامته وعزته؟؟!! تلك هي المشكلة، والطامة الكبرى!.
إن الشعب يريد وطنا للجميع تحفظ فيه الحقوق، وتوضع له من الأسس والأنظمة الكافلة لحقه دون مِنّة عليه، كما هو في الإسلام دين هذه الدولة، وكما عليه الحال في جميع الدول المتحضرة على وجه المعمورة.
_ ورد في المبادرة: (أن هناك مطالب فئوية قد تخفي وراءها أجندات معينة خاصة) ونَصَّ على أن هذه الفئة، هي: (حماعة الإصلاح)، وأقول: بهذه العبارة، سقطت المبادرة تماما، وأُلغِيَت ونُزِعت عنها روحُ المبادرة، لأنها صَفَّت في خانة الخصم، ولم تكن الحَكَمَ النزيه الحريص على توحيد وجهات النظر وجمع القلوب، مما جعلها (مبادرة مخابراتية) بامتياز، لأنها تُردِّد هنا ما يقرره (جهاز الأمن) ويلقيه في رُوع الناس، من تهُم باطلة مفتراة، على فئة وطنية صالحة حريصة كل الحرص على وطنها.
ثم كيفَ جَعَلَ صاحب المبادرة من نفسه قاضيا وحكما، بل تدخل في النوايا والقلوب، ويعلم الغيب، فيرمي الفئة الأخرى المقصودة التي هي محور المبادرة، بتُهَمٍ ما أنزل الله بها من سلطان، وصاحب المبادرة هو أول من يعلم أنها كذبٌ وافتراء، ولكنه غالط نفسه لإرضاء جهة معينة، وبأجندة خاصة؟؟ يُغَرِّد بها مع تلك الجهة الأمنية وللأسف.. لقد أبعدت النجعة يا سيدي وجَرَّدتَ مبادرتك، من نزاهتها وحيادها. وقضيت عليها بهذا الاتهام والكذب المخابراتي الكبير!!!.
لم تكن موفقا في عزو هذه النظرة إلى (الإمارات)، عندما قلت: (ترى الإمارات …) فالإمارات هي الشعب بكل فئاته وليس النظام السياسي الحاكم فقط، أو ذراعه الباطشة من الجهاز الأمني، فالشعب لم يتهم هذه الجماعات الإصلاحية والوطنية بهذه التهم بل هو اتهام النظام السياسي بمخابراته وأجهزته الأمنية التي _ هي _ لها أجندات خارجية، خصعت بها لإملاءاتِ قُوَى مخابراتيه ضالة من خارج الدولة، ضَلَّلت هذه الأجهزةَ الأمنيةِ وبعض الرموز السياسية الكبيرة، فنتجت كلُّ هذه المشاكل، فعكرت الأجواء وأنتجت بلبلة نحن في غنى عنها، فمن يا سيدي صاحب الأجندة الخارجية، هل هذه الفئات الحرة الشريفة الوطنية، أم تلك القوى الأمنية المضلَّلة –بفتح اللام- والمضلِّلة – بكسر اللام. التي استوردت مواقفها تجاه مواطنيها من الخارج، لا عن قناعة وطنية مخلصة، وإلا لكان الأمر خلاف ذلك.
_ المبادرة كلها تدور حول وَهْمٍ لا أساس له، وعليه فإنها سودت الصفحات بأهداف لا يختلف عليها اثنان أبدا، وخاصة في دولة الإمارات؛ فمن هو الذي لا يلتف حول القيادة الرشيدة في الدولة، ومن هو الذي لا يحافظ على مكتسبات الاتحاد. (اللهم إلا تلك الفئة الأمنية وبعض المتنفذين) الذين صادروا حقوق المواطنين وسلبوهم كرامتهم وأهدروا بالتالي مكتسبات الاتحاد التي أرساها المغفور له بإذن الله صاحب السمو المؤسس الوالد الشيخ زايد، مما أدى إلى تشويه سمعة الدولة في الداخل والخارج.
_ من هو الذي ليس له ولاء لوطنه ورئيس دولتهّ؟! أليس هذا من البدهيات التي لا تُناقَش، وهل صَدَّق صاحب المبادرة ادعاءات جهاز الأمن الظالمة الكاذبة؟ التي يتحدث الجميع هنا في الإمارات عن سخف وغباء هذه الاتهامات [رغم الخوف الشديد القاتل الذي يسيطر على الجميع].
يا سيدي الكريم، إن الولاء شعور متغلغل في النفس الإنسانية، تبنيه عقيدة ودين، ويُصَدّقه عمل وإخلاص ووفاء، أما الكلام فقد يقوله كل أحد، حتى أولئك الذين يدندنون حول الولاء للوطن وقيادته، وهم في الحقيقة يهدمون الوطن وينخرون دعائمه، بنفاقهم  وأفعالهم ومواقفهم، وانحرافاتهم وفسادهم، وإسرافهم وتبذيرهم لثروات الوطن، والاستئثار بخيراته، ونهب إمكاناته، وتشويه صورته، ليس الولاء أخي فقط كلمةً تقال وعبارة تُكتَب، ألاَ ما أسهل ذلك يا سيدي. إن الكلمات والتوقيعات، لن تغير الحال، ولن تدل على وطنية ولا ولاء حقيقي.
_ ثم قول المبادرة: (يتم الاتفاق مع هذه الشريحة على حلِّ التنظيم نهايئا …) من هي هذه الشريحة، وهل هناك تنظيم كما تدعي، وهل تحاوَرْتَ معها حول هذه الادعاءات، وهل استمعت إلى وجهة نظرها، وهل حددت معنى كلمة (تنظيم) وأبعادها.
إنك قضيتَ وحَكَمْت أيها السيد، وردَّدْتَ قولَ فئة ظالمة هي (الفئة المخابراتية) وصادرت حق الفئة الأخرى، التي نعرفها حق المعرفة، لأنا خبرناهم على مدى سنوات طوال، وهم وفكرهم منتشرون في جميع ربوع الدولة، فأين النزاهة إذن؟ أم أن هذا إقرار لما يقوله (جهاز الأمن) ويدعيه، فهل هذه مبادرة أمنية أم مبادرة وطنية نزيهة. أشك بقوة في كونها وطنية حيادية.!!!
_ ثم إذا حصرنا المشكلة في الموقف من دعاة الإصلاح، فليست هي فقط في اعتقال بعض رموز وأفراد هذه الدعوة ظلما، بل هي في تعامل الدولة مع الفكر الإصلاحي ورموزه، والذي لم يكن وليد هذه الأيام، بل هي مشكلة ممتدة عاناها أصحاب الفكر الإصلاحي من سنوات طوال، تنوعت أساليب إيذاء النظام السياسي لهم بيده الضاربة، وهو (جهاز الأمن)، الذي مارس أشرس وأقذر أنواع الحرب لهم، والمتمثل في حرمانهم من وظائفهم، وإحالتهم إلى  التقاعد المبكر، وتحويل بعضهم من وظائفهم الأصلية، إلى وظائف في وزارات خدمية لا تتناسب مع اختصاصهم تجميدا لهم، وحرمان أبنائهم (ذكورا وإناثا) من الوظائف الاتحادية والمحلية، ومصادرة حقهم في طلب الرزق، والنشاط الاقتصادي، وتسليط سيف الموافقة الأمنية التي لن تأتي أبدا لكل من انتسب لجمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي، وفكرها الإصلاحي في أي مرحلة زمنية، إنها أخي الحبيب معاناة، بل مأساة، لا إنسانية ولا وطنية بكل معنى الكلمة. هل وَضَعَت المبادرةُ كلَّ هذه المعاناة المأساوية في الحسبان.
_ الكلام حول المبادرة كثير، أكتفي بهذا، وأقول إنها ليست في الحقيقة مبادرة، بقدر ما هي اتهام خالص لفئة صادقة مظلومة، وتكريس وتقرير لهذا الاتهام، لإلقائه في نفوس الشعب، وأخذ موافقة عموم المجتمع عليه، لإدانة شريحة كبيرة جدا من المواطنين الشرفاء الأوفياء لوطنهم ورئيس دولتهم، دون وجه حق… وذلك ما يريده جهاز الأمن الذي يهدم الدولة من الداخل وينخر في كيانها بطغيانه وتسلطه.
أتمنى أن يعاد النظر في هذه المبادرة وفق المعطيات التي ذكرتها، وأنا على ثقة في حسن نية وسعة صدر أصحاب المبادرة.  والله من وراء القصد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق