الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

"التعذيب" في السجون جريمة ضد الإنسانية


د. أكرم المشهداني
تزدحم السجون وتكتظ المعتقلات في شتى أنحاء عالمنا العربي بأعداد غفيرة من المعتقلين والمحتجزين والمحكومين, وبخاصة معتقلي الفكر المعاكس والرأي المضاد بتهم مُختلفة ومُختلَقة أو في أحيان كثيرة "من دون تهم" وبين المُعانين شيوخ ونساء وصغار سن, منهم مرضى ومعاقون, وأشباه موتى من العجز والهزال! وتضج معتقلاتنا العربية بأساليب متنوعة منها المبتكرة ومنها التقليدية في التعذيب والإهانة, يتفنن فيها الجلادون بشكل يكاد يموت المُعَذبُ في اليوم ألف مرة! وتنقل لنا الأخبار عن موت أعداد كبيرة من المعتقلين والمحتجزين تحت وطأة التعذيب الهمجي, وتُطوى سجلاتهم, وتُخفى حقائق تعذيبهم, واغتيالهم, ولايتمكن ذووهم من مقاضاة أحد أو الشكوى لغير الله عن ظلم الإنسان لأخيه الإنسان في عالم انتزعت فيه الرحمة, ويصعب في أحيان كثيرة على ذويهم معرفة أماكن دفنهم, بل طمرهم, وفي أحسن أحوال حظوظهم يلقونهم في مشرحة الطب الشرعي! وللأسف الشديد فإن قوانين الطوارئ ومكافحة الإرهاب وغيرها من النظم والقوانين  تمنح رجال الأمن حصانات وسلطات واسعة غير مقيدة, وعدم ملاحقة مجرمي التعذيب وجلاديه والتغاضي عن كل الممارسات الانتهاكية, التي تخل بالأعراف والقوانين وبالشرف أيضا, وقد تناسى مشرعوها أنهم يتحملون عبء المسؤولية ذاته! لقد أدى غياب المحاسبة العلنية والشفافية, إلى ترسيخ مناخ يشعر فيه الجلادون والجناة أنهم محميون, مصانون وفي نجوة من العقاب والمسؤولية! لقد صار التعذيب متفشيا كالوباء خلال النصف الثاني من القرن العشرين ومع اطلالة القرن الحادي والعشرين حيث لايزال يكابده كثير من الناس  ممن تسوقهم أقدارهم إلى مراكز الشرطة ومقرات الأمن مُشتبهين أو مُتهمين أو ربما حتى مجرد شهود!
إن استشراء فنون التعذيب في مقار الحجز في وطننا العربي على مثل هذا النطاق الواسع هي ليست كما توصف "تجاوزات فردية" أو تجاوز صلاحيات! بل باتت عملاً مُمنهجاً تقع مسؤوليته على عاتق "زبانية التعذيب" ورؤسائهم, وبالتالي لايمكن أن تُبَرأ الحكومات عما يجري في معتقلات أجهزتها! ولايظن أحد أن التعذيب مقتصر على عالمنا العربي, بل هناك أجهزة شرطة ومخابرات وتحقيق في بلدان أخرى تدعي الحضارة والمدنية والتقدم تمارس فيها أبشع أنواع التعذيب والاضطهاد, رغم أن جميع الدول والانظمة تنفي على الدوام وقوع اي اعمال تعذيب فيها وتتهم اطرافا خارجية او معارضة وجماعات حقوق الانسان العالمية والمحلية بمحاولة تشويه صورتها وإنجازاتها الوطنية, وهناك انظمة تتمادى ولا تبالي في الاستمرار بالانتهاكات حتى مع الاستنكار العالمي ومن دون اي وازع من دين او ضمير.
ليس هناك تاريخ محدد لبدء التعذيب لكنه مورس منذ القدم, ولايزال ولايوجد في الأفق ثمة تاريخ لانتهاء التعذيب! وسيبقى يمثل  منتهى التدني في السلوك البشري اللاإنساني, وفي قاع الهبوط في سلوك البشرية عبر التاريخ. هذا التاريخ الذي يزخر سجله بالأنبياء والمصلحين وبالعباقرة والمبدعين والمخترعين, يطفح أيضا بالطغاة الساديين, المتفننين في أساليب البطش والتعذيب, فلم تسلم حضارة من الحضارات ولا عصر من العصور من فضائع التعذيب, وامتدت الوحشية في أعماق الإنسان, وتتخذ أساليب التعذيب أشكالا وألوانا متأقلمة مع الواقع والظروف. ويذكر لنا التاريخ القديم والحديث مالايصدقه عقل بشري من أصناف التعذيب التي مورست: كالإعدام حرقا, أو قطع الجسد نصفين أو أكثر بالمنشار, أو الترك للضواري ونهش الكلاب المفترسة, وخلع المفاصل, وصلم الآذان, وقلع الأظافر, والاغتصاب, والإجهاض, والشحنات الكهربائية, ورش الملح على الجروح, واستخدام الضحايا كعينات للتجارب الكيميائية والبيولوجية, إلى غير ذلك من أصناف العذاب البدني والنفسي والمعنوي. وتعد  محاكم التفتيش احدى أبرز نماذج التعذيب الطائفي والتنكيل بسبب العقيدة التي طالت المسلمين في الغرب بعد انهيار الحكم الإسلامي في الاندلس, وللاسف لم يقف المؤرخون عندها طويلا الا نادرا لانها تبرز وحشية الغرب الذي يدعي التحضر, وموقف الكنيسة المتخاذل تجاه الممارسات اللاإنسانية التي مورست ضد العرب والمسلمين في اسبانيا.ولم تتمكن كل محاولات التغطية من طمر هذه الجرائم, أو تزيلها من ذاكرة التاريخ, بل حتى الكنيسة ذاتها لم تعد قادرة على تجاهل مسؤوليتها المباشرة عن الفظائع التي ارتكبت بحق المسلمين العرب بحيث أن مجموعة من 30 مؤرخا من مختلف العالم الغربي تقدمت عام 2002 بمشروع قرار إلى البابا الراحل حول اعتذار الكنيسة عن ممارسات محاكم التفتيش وجرائم تعذيبها للمسلمين, إلا أن محاولات مضادة سعت لإفشال المسعى.
سجلات منظمة العفو الدولية ودراساتها المسحية لخمسة أعوام تشير الى أنها تلقت أنباء وتقارير حول التعذيب وإساءة المعاملة من موظفي الدولة في أكثر من 150 بلدا مورس فيها تعذيب للسجناء الجنائيين, وفي أكثر من 70 بلدا كان من بين الضحايا سجناء سياسيون, وأن هناك 80 بلدا وردت منها تقارير عن وفاة معتقلين بسبب التعذيب. ويذكر أن منظمة العفو الدولية أطلقت في أكتوبر عام 2000 حملة عالمية لمناهضة التعذيب, هي الثالثة في تاريخها. كما أنها خصصت يوما عالميا "26 يونيو" من كل عام لمناهضة التعذيب, وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادتيه الخامسة والسابعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية, على أنه لايُعَرض أي إنسان للتعذيب أو المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة, واعتمدت الأمم المتحدة من خلال مؤتمراتها لمنع الجريمة والعدالة الجنائية وغيرها من المحافل ضمانات تفصيلية لمنع التعذيب ووضعت آليات لمواجهة المشكلة, ودعت الحكومات لإجراء إصلاحات قانونية وتشكلت منظمات غير حكومية لمحاربة التعذيب ومساعدة الضحايا. لكن استمرار التعذيب في شتى أنحاء العالم يؤكد أنه لايزال هناك الكثير مما يجب فعله.
التعذيب جريمة من الجرائم الكبرى, وخصوصا حين يُمارس على معتقلين من أجل انتزاع أقوال وإقرارات غير صحيحة تحت ضغط العنف والتهديد والإرعاب, ورغم أن معظم دولنا العربية انضمت لهذه الاتفاقية ونصت دساتيرها على حرمة التعذيب, إلا أننا شهدنا ولانزال في أروقة التحقيق العربية وغير العربية كيف أن اعترافات غير صحيحة انتزعت بواسطة الإكراه والتعذيب من أبرياء أدت إلى تدليس القضاء وخداعه بأدلة زائفة ومن ثم صدرت أحكام قاسية "كثير منها الإعدام" عن جرائم لم يرتكبها من وقع عليهم القصاص, وبقي الفاعلون الحقيقيون يسرحون ويمرحون يستهينون بعدالة مفقودة, وشرعية عرجاء, وتحقيقات ملفقة, فالتعذيب فضلا عن كونه ممارسة لاقانونية ولا إنسانية وغير شرعية, فإنه يؤدي إلى إفلات الفاعلين الحقيقيين وتماديهم في جرائمهم, ولدينا أمثلة على أناس أبرياء صدرت بحقهم أحكام الإعدام نتيجة انتزاع اعترافات غيرصحيحة عن طريق التعذيب, وهي نماذج من عدد كبير آخر مماثل من مهازل السجون والمعتقلات في عالم اليوم حيث تتكرر المأساة, وكأن شيئا لم يتغير سوى صور الجلادين, فالممارسات هيَ ذاتها في فقدان وازع الضمير والأخلاق وغياب رقابة القانون واستسهال التعذيب طريقا لحسم القضايا وإرضاء شهوة الكبار!
* خبير في الشؤون القانونية

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق