الأربعاء، 5 ديسمبر، 2012

في ذكرى الاتحاد لنَغْرس الحرية مع الشجرة


في ذكرى الاتحاد لنَغْرس الحرية مع الشجرة

جاسم راشد الشامسي


تنوعت المبادرات في يوم إتحاد الإمارات الحبيبة,فمنهم من بادر إلى رفع الأعلام على رؤوس المنازل والوزارات والمؤسسات العامة والخاصة,ومنهم من دشّن سابع أطول سارية في العالم,ومنهم من طرح مبادرة غرس شجرة الإتحاد على مستوى الوطن وهي أكثر ما تفاءلت بها لأنها توحي بالعطاء والتجدد والاستمرارية,ولكن الفرحة لم تكتمل! ذلك لأنه لم يتزامن معها غرس آخر يحلم به شعب الاتحاد وهو إطلاق الحريات والإفراج عن 64 معتقلا سياسيا وتفعيل المشاركة السياسية.

يعلم الجميع أن الاتحاد بلغ مبلغ الرشد,41 سنة حبلى بأطياف عديدة من التحديات الجسام,تواصل فيها الشعب مع قيادته لتجاوزها فكان للإمارات شأن محلي وعربي وعالمي وخدمات مميزة ومشاهد أخرى تذهل كل من تطأ قدمه أرض الوطن.

في ظل تلك الانجازات والمشروعات المتسارعة والمتنافسه أحيانا لتقديم ما هو جديد,وجب على القيادة في الوطن مُحاكاة تطلعات أبناء الوطن شيوخه وشبابه رجاله ونسائه عبر غرس بذور الحرية لنصنع الشجرة الأم الوارفة الظلال وهي المشاركة السياسية السليمة واطلاق حريات الشعب في ظل الدستور والقانون.

مما لا مراء فيه أن الإتحاد نما وعلا شأنه في محافل شتىّ,وهذا ما يكرّس فخرنا وسعادتنا,والذي يتطلب أن يشارك الشعب في صيانة هذا الصرح ليعليه فوق العلو ,ويسقيه ماء المشاركة السياسية الدافئ,ويقيّد يد كل من يحاول أن يكتم أنفاسه عبر التضييق على أبنائه وإهدار ثرواته.

ما لايتم التطرق إليه في ذكرى خالدة مثل اتحاد الامارات التحديات التي تواجه مسيرة الإمارات,وتحدُّ من بسط نفوذها,وتقلق شعبها,الأمر الذي يجعل قيادة الوطن ألا تطرب كثيرا لتلك الأبواق التي تمجّد وتقدّس وتهلّل للإنجازات,وتصمت إزاء ما يواجه الوطن وقيادته من قضايا محتقنة لابد من إثارتها وعلاجها.

من واجبنا ان نؤكد أن الإمارات الغالية حبلى بحزمة ثقيلة من المخاطر تزيد حدّتها من عام إلى عام ومن ذكرى إلى ذكرى,هذا بالرغم ما يواجه الإتحاد من قضايا قديمة مثل احتلال الجزر الثلاث وتركيبة سكانية قد بلغت الحد الأخطر,وخصم جليّ من نفوذ الإتحاد وصلاحياته لصالح المحليات,وضمور مخيف في قضايا الحريات ومشاركة المواطن,وتزاوج رائج بين المال والمنصب الحكومي,وتوسّع فاحش في توظيف الخبير والمدير الأجنبي غير العربي في قطاعات حيوية وأخطرها التعليم,واستمرار شعور المواطن بغربة خارج نطاق إمارته,والخدمات المتباينة مابين القرية والمدينة,والتوسع السرطاني المستمر في العقار التجاري والاستثمار الأجنبي دون خطة شاملة جليّة تعرض على الشعب,وتراجع وانتكاسة حزينة لدور النقابات ومؤسسات المجتمع المدني,وغياب التنسيق ما بين المحليات في قطاعات الخدمات ومنها إنشاء المطارات والموانئ والجمارك والتعليم والجامعات والقضاء والشرطة والمناطق الحرة والصناعية,وتراجع مقلق لسلطات التشريع والقضاء,وهيمنة أمنية أقلقت الجميع,وانضاف إلى ذلك التراجع انتهاك لحقوق البشر وسمعة عالمية سلبية في هذا المشهد,ومشاهد أخرى في دعم واحتضان الدولة لفلول الثورة المضادة لمواجهة ثورات الربيع العربي,والمحزن هنا أن أحدا لا ينصت وأنّ السلطة تجري إلى الأمام نحو مزيد من مشروعات ومبادرات جديدة أشبه بعين “عذاري البحرين” تسقي البعيد وتترك القريب.

ما يثير المرء ويقلّص سعادته في هذه الذكرى الجميلة,أن السلطة تنشغل عن تلك القضايا لجلب قضايا أخرى منها مايزيد المشهد تعقيدا,ولا يجرؤ أحد من المستشارين أن يُلفت انتباه صاحب القرار إلى خطورة تلك البوصلة ,وأن التحديق المفرط إلى الأمام دون أخذ الحيطة عند موضع القدم يجلب لنا مزيدا من الهموم وتحديات أخرى يضطرب معها الوطن .

ما يخنق الأنفاس في هذه الذكرى السعيدة كذلك,أن الإتحاد أصبح يتيما بلا أب ,الأمر الذي جعل الحكومات المحلية تستقوي عليه وتوجّه سياساته,مما أدى إلى تراجع دور الإتحاد محليا وعربيا وعالميا وينفَذ رصيده في قلوب بعض الأحباب والأصدقاء,وإذا تخللت ذلك انتهاكات حقوق الانسان واعتقاله وتعذيبه فالتراجع أكثر حدّة وألماً.

ما أود أن أُفْضي إليه أن مبادرة غرس شجرة الاتحاد فكرة تستحق الإشادة واحترام وتبجيل صاحبها,ولو كانت الشجرة هي النخلة لكان أفضل فالنخلة شجرة نحبها وتحبنا,لكن ما يجب أنْ نَعِيه أن شجرة الحرية والمشاركة السياسية أجمل وأنظر,وفروعها محملة بأطايب الإبداع والخير وحسن صنع القرار,ويعود ريْعها للشعب والقيادة في آن واحد,وأنّ تجاهل تلك الشجرة مع التركيز على ش
جرة الأكل والذكرى فقط ستحولنا من مشاركين إلى متلَقِين ومن منتجين إلى مستهلكين وهذا الذي ملّ منه شعب الإمارات.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق